في إحدى الليالي صافيةَ السماء ظاهرةَ القمر .. تردد سؤالي عن رسولٍ قصد الوصالَ وما ظهر .. وسألت رب الأرباب .. عمن أطالَ وغاب .. ولم يكن يحمل أبعد كتاب ! .. فانتظرته حتى جاء .. وشكرت ربي وصول الكتاب والدعاء .. أما بعد
..
فقد سألته عن سبب التأخير .. لعله خير ..
قال : ذهبت حيث ذكرت .. ونظرت حيثما وليتني ما نظرت .. فإذا بها مدينةٌ يشع منها النور من كل اتجاه .. أقسم بأنني ما رأيتُ ما رأيتُ فيها من سلطانٍ و جاه .. لصاحب تلك الممالك .. والمنتصر بالله في المعارك ..وقائد هؤلاء الملوك .. وطيب اللسان والسلوك .. وأكثر من كل ذلك .. وأهلها يجولون في رحباتها من كل حدب .. فأنَّ للرجل لا يجد فيها ما أحب ! .. قد بلغ منهم الكرم كثيره .. حتى ليجدَن العابر فيهم طيبَ الخلقِ وعبيره ..
قد ملأت أسواقهم الشعراء والرواه .. وبلغت ألسنتهم مجد الأدب وعُلاه .. فجلست فيهم جلسة المطيع تطربني الحكاوي .. فسكت الجميع وقال الراوي
:
يُحكى منذ قديم الأزل والزمان .. صلوا على المصطفى واذكروا رب الأكوان .. أن كان هناك بئراً ذهبياً في الشرق .. حدثتنا أخبار القدامى عن أصحابه .. ويخشى الناس اقترابه .. يقولون من قربه ذهب فيما ذهب .. ويقولون رهب .. ويقولون اجتذبه بناء البئر فأحاله ذهباً على ذهب .. ويقولون تلك بوابة النار وذاك اللهب .. ويقولون بناه إحدى الملوك في أقصى المدينة ليمنعَن عنها الريح في المهَب .. ويقولون فيه كنوز العرب .. ويقولون هذا بئر الأماني .. ويقولون هذا لُب المعاني .. ويقولون ما لنا وكل تلك الفروض .. ما هذا إلا بئر الغموض .. ويقولون قد سكنه الشيطان .. ويقولون هذا البئر عَمران .. مُدناً وحضارة .. زُرقاً وخضارة .. أُناساً ومارة .. ما إلا شره .. وقع فيه كل من زاره ! .. فأنبهنا الحديثُ إلى ذاك الفتى من مريديه .. والعائد من فيافيه .. فهو أحد اثنان يعلمان سرّه .. واسمه وخبره .. وحلوه ومرّه .. وخيره وشرّه .. ومنفعته وضرره .. ونثره وشعره .. ونجمه وقمره .. وبيوته وقصوره .. وحساب سنينه وشهوره .. ومعادلته ودالته .. ومفارقته وحالته .. وأهله وعشيرته .. وسَيرَه ووتيرته .. وسهله وواديه .. وقد حدثنا عمّن فيه
..
قال : فأما البئر .. فلا أفصحن عن هذا السر .. وأما أهله .. وأما خبرهم .. فلا أوافيه .. إليكم قاضيه
..
قال : سبحان من خلق الزمان والمكان .. وسبحان من جمع أولئك القوم لذاك القَدَر .. وليُجزى حسناً من تأنى وصَبَر
.. أما بعد ..
فقد تُعرَف الصفات وتغيب الأسامي .. صُمّوا آذانكم .. أو اسمعوا كلامي ..
أولهم شاعرٌ سبق ذكره وكثر شكره وذيع خبره وعظم أمره
ثالثهم مسرحٌ تمثلت به ألوان الفنِ والأدب .. والإخراجِ والكُتُب .. هائمٌ في المعنى .. عاشقٌ للتمثيلِ والمغنى
رابعهم عزَّه الله في سماه .. وأبلغه مجدها وعُلاه .. مصريُ اللون .. طائرٌ ناظرٌ للكون
خامسهم تطايَر شَعرَه من طول البحث .. أو ربما هذا أنتجه مجال الحث ! .. حدثوني عن اختراق عينه للأبعاد .. انتخبوه .. كي يسبح في سماء الأمجاد
سادسهم غامض كلامه وتشوقنا إلى سلامه وكلامه .. أطال الله لنا الأعمار .. وأنزله من عُليات الأدوار
سابعهم خَفَّ دمَه حتى كاد يطير .. وفاز كلامه فوز الشخارير ! .. وعلا ضحكه فأسمعنا .. ليته يفرغ .. ويأتِ لنا
ثامنهم طال نظره في حسم الأمور .. حفظه الله ووقاه الشرور .. شاع اتصاله .. وكُتِبَ نضاله
أما الآن .. فهذا يكفي .. ولاحقاً أُكمل وأوفي .. وهذا حتى لا يُهدَم العدّ .. ولتأخذوا مقالي محمل الهزل والجدّ .. فوجهتي ذهاباً لقضاءِ أمورِ هذا البئر .. وطُلبتي إليكم .. في حفظ ذاك السرّ .
! فقال الراوي : وذهب .. ولنُكمل قريباً حديثنا عن بئر الذهب
فانفضّ المجلس .. وجلست أضحك وأعبس .. وأسرح وأنعس .. أنبهتني فتاةٌ ناعم شعرها أملس .. معشوق اتّباعها مُلتَمَس .. مس القوم في رؤايها ما مس .. أطيب بمن نظرَت إليه في خَلَس .. فتَعَشَّق وتَحَمّس .. وتَحَفّز وتَلَبّس .. وتَوَحّش وتَوَنّس .. وأحس قلبه ما أحس .. ووسوس في أذنه ما وسوس .. لناعمة الوجه والملمس .. فإذا بالقوم يضربونني حتى أفيق .. وإذا بي لم أرى صاحبةَ القوام الرقيق
قال : أمّا يا بنيَ أطابَ الله لك الحال .. وأعفاكَ عن السؤال .. فقد طُفت في هذي البلادِ كثير .. وعاشرتُ السلطانَ والأمير .. والبسيطَ والفقير .. والطيب والشرّير .. وأمورهم شتى .. يعظُم سردها .. فعاشرهم حتى .. تؤتِ مددها
..
فتركته وحفظت العنوان .. وطرتُ إلى قصر السلطان .. أوفيه قدره تحيةً وإجلالاً .. وسلاماً وسؤالاً .. وأحمل إليه كتابك المتشوّق للقاء يده .. وخرجت بعدما أكرمني عنده
..
فأسرعت قاصداً أراضيك .. وعلمت أنّ تأخري لا يُرضيك .. وفي طريقِ رجوعي استوقفني القوم .. كمن سمع آذان المغربِ بعد ساعات الصوم
!
فقال أحدهم : أمّا بعد فقد شاع أمر الرسائل التي تحملونها في البلاد .. وانتشرت أخبارها على ألسنة العباد .. ودارت أحاديثها في كل مجلس .. وأحبوها ما تُطرب وتؤنس .. وتابعوا وصولها ووصولك .. وراقبوا رسوله ومثولك .. وتعجبّوا ما فيها من اختلاف .. وتناغُم وخِلاف .. وذكرٌ للأمجاد والأسلاف .. وبلاغةٌ في الخطاب .. وبراعةُ في الكتاب .. وعشقٌ كأشعار العرب وروايات الإنجليز .. وزهدٌ مرجعه عمرو بن عبد العزيز .. وذكرٌ لحروب الفرسِ والروم .. وانقسام بلاد الخرطوم .. والأرض المُغتَصَبة .. والسياسةُ القَذِرة المُنتَصِبة .. فأمّا الطيرُ فنصطاده من فوق رؤوسنا بالوسائل .. وأمّا ما يطيرُ من فوقِنا من رسائل ..فليكُن لنا من رسائلهُما نصيب ..وليكُن لنا في آذانهما خطيب.. عدَّل الله أمر البلاد ووفق السلطانين ..{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِين } .. أدام الله لهما الصحة والعافية والكتابة والدين
..
فأخذت كتابهم وأسرعت لوصلك .. وسلمت عليهم .. وها أنا بقصرك
بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين .. سيدنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين .. أمّا بعد
..
فسلامي على من قرأ الخُطَب .. وقَدَّر الأدب .. فقرأ ونال العَجَب .. وكَتب على السعة والرحب .. فقد ملأ كلامكم صدري وزاد عن هذا القدر .. ألا ليت شعري ألِكُل الناسِ ذات الحظ الأوفر ؟! .. في أصدقاءٍ يُضرَب بهم المثل .. تُملأ بهم صفائح العسل .. توزَن عقولهم بالحجر الكريم .. تُرى وجوههم رؤية البدرِ التميم .. ستُنقَش حكاياتهم في التاريخ .. وتُسَجَّل طلعاتهم إلى سطح القمر والمريخ .. ستطير الأذهان .. ويَحكُم فكرهم .. ويأخُذنا الزمان .. ويبقى ذكرهم
..
. وآخر كلامنا .. سلاماً وتحية .. أدام الله لنا .. نقاشاً وقضية
.. أما رسولك فقد أتى قبل مجيئه بلحظات .. عابراً البلاد والقارات .. مورداً القصص والعبرات .. فهبط في قلبي وقرأ عليه كلامك .. أيستطيع بعدما أطربته لومك ؟! تمرّ أيامي وقلبي عندك .. أتحسب ألا سيأخذه رسولك ؟! إنما مكانه هناك .. أما بعد ذلك ..
رسالتي هذه التارة لن يكفيها الإشارة بالإعجاب .. وإنما هدفها الثورة أو الإنقلاب .. مرماها السماء .. تاجها العلاء .. مهدها أشواقٌ لم تصفها رواية .. منتهاها منتهى العين في مائة مرايا .. حكمها النظر في حسم الأمور .. دستورها قلب معادلة السنين والشهور .. ملئها معابر لكل العوالم .. حدها حد سيف الصوارم .. غايتها دمج الكوكبين وليس وصلهما .. لا يكفيّن سلطان الكوكب البنداري طريقهما .. فقيمته ذهبٌ مرصع بالماس .. وغايته وجه رب الخلق والناس .. وطريقه مترامي الحدود .. لا يعرف معنى الجمود .. ودماغه لم يجد لها علماء الأرض تفسير .. وأحجيته لم يجد لها دافنشي تحرير .. ولسانه بلغ حدود الزمن والكون بلاغةً ليس طولاً .. وميزانه أبعد من الشعرى اليمانية وصولاً .. فإذا كفيته وصفاً سيُقرأ بعد مماتي .. وإذا حييت أكتبه لن تُحصى رسالاتي ..
صديقك في الطريق السابق ذكره .. وليتقِ كل منّا حمق الزمن ومكره .
أما أنا .. فلا أجد لحالي تفسيراً في تلك السنة .. ورسائلي تتطاير بعضها في الهواء وبعضها عند حلول المساء وبعضها إلى السماء .. وبعضها هناك .. وبعضها هنا .. وهذه إحداها .. فإنما أفضي إليك ببعض ما أريد .. وأما الباقي فقيده في القلب والعقل قيد العبيد .. هل ترى ؟؟ هذا الرفيق في ذاك الطريق .. شريد ! يحملني الهوي فوق نسماته فأعبر بلاداً من العشق والهيم .. ويطرحني ويتركني مثقولاً بالهم .. في بحر الجوى .. وأنا لا أعرف فن العوم ! إن كنت قوياً أخرجني من هذا اليم !
صديقك في الأرض وفي السماء وفي الوهم .. وختاماً .. سلاماً وكلاماً منك وإليك على الدوم .
لمّا استطاع سلامي وصولا لدربك أرسلته .. ولمّا استطاع كلامي مثولاً لحُبك كتبته .. قد صغت عقداً فاجر طوله بين الكوكبين .. ووسمت قلبي ذهباً خالصاً حِساً وعين .. أكاد أصارحك وما قد تعوّدت ألا أفعل .. قد فعل كلامك بي فعل السحر أو أثقل .. فصرت كمن نسي العربية وأغفل .. فذاب بين سطور لم يصغها بشر .. واستنشق في دربك عطور تظل لآخر العمر .. وتعلم منك الكثير وسيظل تلميذ .. وأسكرته دررك سكرة النبيذ .. وذاب في ذلك وبالغ في الذوبان .. ومجن وتصوّف وبلغ حد الهذيان .. سيظل ذاك الجسر شامخاً برهة .. وتقبّل منّي تلك النزهة .. فهذا الرابط أبدي .. ولن أكمل ذاك الدرب وحدي .. عليك سلامي ووعدي .. ولن ينفد كلامي سَيِّدي .