‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 2 يوليو 2018

إلا أن أبي كان سعيدا وقد خرج من الجمع لتوه، وكانت هذه المفاجأة كافية لإيقاظي

راودني حلم عن مدرسة لا أذكرها قمت بزيارتها بصحبة أمي سافرة الوجه، وقابلنا أستاذ لا أتذكره لكنه يبدو مألوفا، ومن العدم جاء حديثه بأنه نصحني في الثانوية العامة بالذهاب مع المخبر الفلاني للتقديم في العسكرية، فجاء ردي الصادم وقتها بأنه "بيتناك في البينش". صدمت لأن هذه لم تكن لغتي يافعا، بل لأن هذه لم تكن فكرتي عن المخبرين، كنت لم أزل حالما بالعالم الجميل. وفي وقفتي تلك رددت عليه بأن هذه لم تكن إجابتي وأنني أنكرها حتى ولو تلفظت بها، فمن الجائز أن يكون السياق هو القائل، ولم يكن لساني إلا وسيلة. فتحت عيني أفكر: ماذا لو كتب هذا السياق الغامض كل إجاباتنا؟ ومن أين دخل هيجل عقلي البكر؟ وما هو البينش الذي يتناك عليه المخبرون؟ لا أعلم لما كانت أمي غاضبة مني في ذلك اليوم، إلا أن أبي كان سعيدا وقد خرج من داخل الجمع لتوه، وكانت هذه المفاجأة كافية لإيقاظي، ولو أني تمنيت أن أعلم متى سأستعمل القنابل اليدوية الأربعة في شنطة ظهري.. ملحوقة.

الخميس، 31 مايو 2018

هيثم

حلمت بمكان كبير مليان ناس داخلة وخارجة، قاعدة وواقفة، بتاكل وتذاكر، بتصلي وبتهزر، بتنام وبتعلب وبتتكلم، صغيرين وكبار، اخوان وملحدين، اعرفهم وماعرفهمش، ولاد وبنات، حوارات متشابكة وغامضة وطفل متعلق عالباب بيعرف يعمل باي باي للناس لما نقوله، وفرقة صغيرة حاربت الوحش السوري وهزمته ورجعت بأسامي الشهداء اللي كان منهم واحدة بحرف السين طلعت السما عند اللي معندهوش حاجة وحشة، وشفرة ماما اللي طلعت بتحمي لما مايتبقاش اي ساتر في اللحظة الأخيرة وبراويز لوح ضخمة بنقف جواها ونغمض ونستنى مفعول الحماية، وقايمة فيها اسامي كل الناس اللي بيدخلوا المكان وجمل بتعبر عنهم تعبير نهائي، مثلا كان فيه واحد مش عارف انه مالوش مدرسة، وكانت هي دي المرجعية، كل واحد ايه مدرسته في الحياة، اراضي واسعة وكلاب ووحوش وهجوم ودفاع ومغناطيس نفعنا لما كل حاجة مانفعتش وعصير عنب وعنب وتفاح ورضا وزعل وانتظار، هي دي الجنة ولا النار؟ وسمعت هيثم، الساعة بقت 4 وانت نمت كتير، وصحيت، فتحت التابلت وفكرت ازاي هفتكر، وكتبت: حلمت بمكان كبير مليان ناس داخلة وخارجة، قاعدة وواقفة، بتاكل وتذاكر، بتصلي وبتهزر، بتنام وبتعلب وبتتكلم، صغيرين وكبار، اخوان وملحدين، اعرفهم وماعرفهمش، ولاد وبنات، حوارات متشابكة وغامضة وطفل متعلق عالباب بيعرف يعمل باي باي للناس لما نقوله.

الجمعة، 9 مارس 2018

فكرة في غير محلها حتى افتتاح محل

أنا هدخل على الأدب نوع أدبي جديد اسمه شبه القصيدة، يعني كلام ينفع يبقى ليه معني وينفع يبقى ليه لحن بس لا ليه معني ولا ليه لحن وفضل كذلك بين فتور الكاتب وفضول القارئ وتحفز الناقد لحد ما تراكمت عليه أجيال العيون وقام بذاته والناس حبته

في الهزائم التي لا يراها أحد


بوظت مدينتي اللي كنت بنقل منها المشاهد بانتصار واتهزمت لما افتكرت ان حرقها هيولدلي الدفا، دلوقتي استعمرت صخرة من الحطام ومش لاقي طريق ممهد ارجع منه، مسجون بالظبط في الحتة اللي كان بيهرب منها، لا عارف يرجع لسجنه الأصلي ويجرب يحفر من جديد ولا عارف يصدق انه كل ما يجرب يمشي في جنته يقع على حاجات متكسرة كانت قبل كدة لوحاته وتماثيله. غمض تاني عشان يدور تاني على خرم اسود يهربه بس لما غمض شاف الكل سواد وماعرفش يلاقي الثغرة وسطه. جرب يعيد ترتيب الحطام أو يعيد تلفيقه اكتئب. دور على أمل في الأفق الأزرق اللبني يبصله ويتعلق، بس أول ما بص اتزحلق وعرف إن خطوته قريبة، نظرته زايغة، روحه مغيمة، إيده مرتعشة رغم جريان الدم في اللحم زي جريان الحبر في القلم. كل ما ترسم ماتصيبش الفكرة الأولى لكن ترتد لمساحة أضيق على النفس من الحيرة. غلبني البرد والحر واتحججت بالخير والشر إني الاقي بيت اسكنه مالقتش غير بيت قلته وهديته وماخرجش من ودني صدا التكسير.

الثلاثاء، 27 فبراير 2018

ستاير من ليالي فبراير

هو ليه الوقت ضيق مش واسع؟
ليه الحقيقة مرة مش حلوة؟
ليه العالم قاسي مش حنين؟
ليه العقل زينة ومش ملون؟
ليه الأرض طينة والسما صافية؟
ليه بكرة لينا والنهاردة ليهم؟
ليه بنمشي ومابنوصلش؟
ليه خيالاتنا مابتحصلش؟
ليه مع بعض أقوى ولوحدنا أضعف؟
ليه كل سواقين الاتوبيس اسمهم أشرف؟
ليه بنخاف من أي امتحان؟
ليه بنكره الناس واحنا إنسان؟
ليه الوقت بيجري وبيسحلنا؟
ليه السلطات فاكرة الشعوب أغبيا؟
ليه الشعوب فاكرة الشيوخ أنبيا؟
ليه الشيوخ فاكرة الجيوش أدعيا؟
ليه الجيوش شايفة الحياة أبنية؟
ليه الحياة صعبة مش عادلة؟
ليه ستاير كتير لسة منسدلة؟
ليه الصراحة راحة بس ليها تمن؟
ليه حلم ييجي في لحظة ياخد زمن؟
ليه لما كلنا متنا عاش الوطن؟

الاثنين، 19 فبراير 2018

عن الحكمة والكفاية


الحكمة هي العلم بمقادير الأمور، فالحاكم يقدر السلطات والثروات (السياسة هي التخصيص السلطوي للقيم)، والحكم يعلم الحد بين الصواب والخطأ، والحكيم يعلم مقادير الخير والشر، ولذلك سمي الطبيب حكيما، لأنه يعلم مقادير الدواء التي تشفي ومقادير الدواء التي تقتل، فأولها خير، وثانيها شر، رغم أن جوهرهما واحد. وذلك يعني أنه متى أوتى أحدهم الحكمة، فقد أوتى مقادير الكفاية، وقد أوتي خيرا كثيرا. ذلك أن خيره كامل، لن ينقلب بعضه شرا. أي أنه من الحكمة أن تعلم متى تكتفي مما تظنه خيرا، بعلمك المقدار الذي من زاد عنه قل، ومن سار بعده ضل: متى تتوقف عن الأكل، عن الشراب، عن النوم، عن اللهو، عن اللغو، عن الكلام، عن الصمت. أن تعلم متى يصبح عملك كافي فكل ما تعمل بعده يأخذ ولا يعطي، متى تصبح محاولتك مستوفاه فكل ما بعدها إهدار، متى يكون دورك محقق فكل استمرار بعده ابتذال. والابتذال كان بذلا لكنه زاد، وليست كل زيادة إضافة، فالمطر خير لكنه قد يزيد فيستحيل شرا ويغرق بشرا. والبشر غارقون في أيامهم، لا تظهر منها رؤوسهم كي يتوقفوا ويسألوا عن معنى الاستمرار. نستمر دائرين في دوائر لا نستطيع أن نرى غيرها، بل لا نستطيع أن نرى أصلا، غير أضواء متسارعة ومتداخلة كانت مشاهد. نستمر حتى ينفض الجمع ولا نشعر، تنفك الأيدي ولا نشعر، تهتز الأرض ولا نشعر، يقترب النجم ولا نشعر. ندور حتى نكسر الجاذبية، ندور معلقين في سمائنا وحيدين، ندور حتى نستحيل أفلاكا، يشير إلينا الناس بالدهشة فنخجل من الإعجاب. نبتعد بقدر صدقنا في السعي، ونظن أن البعد راحة. لا راحة في الانفصال عن الذات ولو فصلنا باب الجنة. لا معنى للحياة بلا تجربة ولا تسمى التجربة تجربة بلا نتائج ولا نتائج بلا نهاية. لا معنى للحياة بلا بدايات ونهايات مستمرة وكل استمرار غير ذلك موت. فعيشوا!

الأحد، 18 فبراير 2018

سأخبرها

سأخبرها بأنني لم أقرأ كتاباتها الشغوفة، وأنني لن أقرأها حتى إذا كان وقتي يسمح. سأطلب منها أن تسامحني على ذلك، وأن تغفر لي شرودي الدائم في فكرة هربت من بين يديَّ وجُننت أنا من ورائها، أن تتجاوز عن يأسي الذي أسميه أمل، عن غضبي الذي أسميه عمل، وعن كل شئ سميته بغير اسمه كي أنقذ ما تبقى من روحي بغير سقوط. سأخبرها أنني أحبها وأنني أستطيع احتمال حبها إذا كنا في عالم يقيم للحب اعتباراً. سأخرج عن صمتي لألوك المواضيع اليومية وآخر مستجدات الأحداث بالحماسة نفسها. سأرتب المواعيد لكي أذهب فيها مع من يريدون رؤيتي لكنهم نسوا شكلي. فقد تغير شكلي ليس لأن شباب وجهي استعجل عجزه عن الابتسام، لكن لأن ما أنار في عقلي لم يكن إلا من بقايا الأحلام، والآن قد فتحت عيني، ويا ليتني ما فتحتها، فأنا أراكي الآن جمالاً كأنما حاكته خيوط الحب التي ترسلها عيناكي. لكنني لا أراها إلا وأرى فيها انعكاسي مقتولاً، يحاول، وما يفزعني في قتلي ومحاولتي، أنني رأيتهما معاً.

الاثنين، 13 نوفمبر 2017

هَش الدبان (1) : دخل ولم يعد



إنه يوم الثلاثاء 7 نوفمبر 2017. أفتح عيني لأتبين الحقائق الواحدة تلو الأخرى. والذبابة تقف فوق رأسي تفكر في شئٍ أجهله. أقاوم نومي الثقيل وأمد يدي إلى التابلت. الساعة 11 وأنا لازلت في سريري، تحت لحافي، والآخرون يصنعون مجداً في الشوارع، في قاعات الدرس، في المباني والشركات، وأنا أكتفي بمجدي الصغير: أهش ذبابتي وأنهض من السرير.

سأقابل الرفيق حسب موعدنا في الثالثة عصراً أمام مترو المعادي. وأنا اليوم أمامي لن أفعل فيه شئ - بعد أن فات موعد كل شئ يمكن فعله - سوى أن أفطر وأحضر نفسي ثم أذهب لرحلة المترو الطويلة طوعاً وأقنع نفسي أن الأمور على ما يرام فهناك وقتاً - على الأقل - لإصلاح ما قد ينكسر في الطريق الذي لا يرحم.

وصلت مبكراً - جداً. وصلت المعادي في الواحدة الربع ظهراً ولم أكن أعلم أنني سأصل مبكراً إلى ذلك الحد. قلت سأتمشى أو سأجلس في الأنحاء حتى يأتي الموعد. جلست ولم أجد ما افعله ولم تكن جلستي على الرصيف مريحة. أرسلت رسالة للرفيق بأنني وصلت وأنه يمكنه النزول إذا كان جاهزاً أو أنني سأنتظره على موعدنا. على الفور اتصل بي وأخبرني أنه سيأتي خلال نصف ساعة وأن أنتظره في بينوس أمام سوبر ماركت مترو. أغلقت الخط وراجعت المحفظة فتأكدت أن المال الذي بحوذتي قليل جداً ولا يزال في اليوم متسع. نظرت ورائي فوجت ماكينة صرف آلي في واجهة سوبر ماركت مترو تابعة لبنك HSBC. وذهبت لكي أسحب مبلغ يكفيني بقية اليوم. وعندما أدخلت البطاقة داخل الماكينة، وكتبت كلمة السر، اخترت السحب، أظلمت الشاشة.

ما الذي حدث؟ انتظرت بضع ثوانٍ لعل الشاشة تظلم لتأتيني بشئ ما مثلما يحدث أحياناً في جهاز الكمبيوتر. لكن الشاشة أظلمت. وفي الخلفية أظلم المحل كله. إذ انقطع النور - لأجل حظي - في هذه اللحظة بالذات. دخلت البطاقة ولم تخرج، وكيف تخرج والنور مقطوع؟ اختبرت غبائي على أزرار الآلة برهة ثم وجدت رقم خدمة العملاء إذا واجهتني أي مشاكل. اتصلت فأجابتني الرسالة الصوتية بأن أدخل رقم الحساب. فأغلقت الخط. ثم دخلت للعاملين في المحل أخبرهم بما حدث دون جدوى. أخبرني أحدهم أن أخبر مدير الفرع. ومدير الفرع هناك يتحدث في تليفون طويل. عاد النور. واختفى مدير الفرع. دخلت الفرع وبحثت عنه بنفسي فلم أجده. دلني عليه أحد العاملين في مخبأ غريب وراء البضائع. انتظرت المكالمة الطويلة وأنا أفكر في الوقت الذي يمر والرفيق على وصول والبطاقة التي دخلت الآلة اللعينة على بعد عشرة أمتار ولن أستطيع استرجاعها. وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضَعُف الطالب والمطلوب.

أخبرني بأن لا يملك من أمر هذه الآلة شئ. وحتى إن وجد مندوب البنك صاحب مفتاحها لن يستطيع تسليمي بطاقتي. فلن أستلمها إلا من البنك نفسه. خرجت خائب الرجا وذهبت لأنتظر في بينوس. انتظرت قليلاً ثم جاء الرفيق الذي لم أره منذ 2014. جلسنا وتحدثنا ملياً عن أحوالنا وأحوال الرفاق والأصدقاء وعن آليات التغيير واستراتيجية التنظيم والمعركة الجديدة التي ينتظرها العالم بين يمين جديد ويسار جديد وعن كل من لا يواكب العصر فيتجمد ويخرج من الصيرورة التاريخية. تحدثنا عن الماضي والمستقبل، عن رأس المال والفلسفة، عن أن القادم يحتمل دائماً المحاولة. وذبابة عنيدة لم تتركنا، كلما هشّها أحدنا ذهبت للآخر أو عادت إليه.

كنت سعيداً بهذا اللقاء جداً. لم يعطل سعادتي سوى الفكرة التي في رأسي عن الكارت الذي لا أعلم كيف سأحصل عليه مجدداً. وعن المال الذي في جيبي لا أعلم متى سينفد. لكني عدت إلى المنزل على أي حال. دخلت على صفحة البنك على موقع فيسبوك فلم أجد زر الرسائل. فذهبت لصفحته على موقع تويتر وعلمت أن خدمة العملاء على تويتر لها مواعيد نهارية كذلك. كان الليل قد انتصف عندما تركت لها - وهي فتاة - رسالة بما حدث.

استيقظت يوم الأربعاء وفتحت الموقع فوجدت ردها بأن أراسل البنك الذي أتبعه. بحثت على الإنترنت فوجدت رقم آخر لخدمة عملاء HSBC تابع لفرع لا أتذكره ولا أتذكر سبب اختياره، لكنني استطعت أخيراً التحدث إلى أحدهم بعد انتظار وانتقال على الخط، وأخبرتها بما حدث، فأخبرتني أن الكارت سيكون موجوداً في فرع المساحة خلال 7 أيام عمل، وكان يوم الأربعاء، وقد استبعدت أن يكون البنك حدّث محتويات الآلة يومها، وكان الغد الخميس، ولم أكن لأنزل من بيتي وأترك المذاكرة لامتحان السبت، فعقدت العزم على أن أذهب الأحد، فصبرٌ جميل والله المستعان عما تصفون.

انقضى الأربعاء، فالخميس، فالجمعة، فالسبت; بأحداثهم ومقابلاتهم وإحراجاتهم جميعاً. ثم أتى اليوم المختار. يوم الانتصار. أنهيت امتحاني بنجاح وجريت لميدان المساحة. كان المدخل ضيقاً وأمامه مدخل إلكتروني آخر وأمام المدخل مباشرةً سلم وبجانب السلم ينكمش عامل الأمن أمام مكتبه المواجه لزجاج الشارع المتاخم لمؤخرة ماكينة الصرف الآلي. نعم، كان الموقف غريباً لكنني كنت أنظر نحو هدفي. أخبرت عامل الأمن بقصة الكارت المسحوب من بنك آخر فسألني عن الاسم واليوم والساعة والمكان وكنت أحفظهم عن ظهر قلب. اتصل بأستاذ محمد وطلب مني الانتظار. انتظرت في المسافة بين المكتب والزجاج. نعم، لقد انتظرت في هذه المسافة، وأفسحت مجالاً كي يخرج النازل ويدخل الصاعد كلما انفتح الباب. ثم نزل أستاذ محمد وأخبرني بأن هذه البطاقة بلا اسم، فاقترحت عليه أن يعود للكاميرا حتى يتبين أنني صاحب الكارت ويتركنا وشأننا، فقال أريد إثباتاً بأنك صاحب الكارت، فقط يمكنك الذهاب للبنك الأهلي وطلب ورقة عليها بيانات هذه البطاقة لأطلع عليها ثم أسلمك بطاقتك. استجبت لطلبه وأخبرته بأنني سألحقه قبل الخامسة مساءاً موعد ذهابه. ثم قطعت الطريق من ميدان المساحة لميدان الدقي طلباً لورقتي الصغيرة وأموالي الضائعة بين براثن السيستم. دخلت وإذا بجحافل المنتظرين تشرق أمام ناظري كشمس أيلول.

ابتلعت رقمي الكبير وانتظرت واقفاً. انتظرت حتى اقترب رقمي شيئاً فشيئاً. فاقتربت وانتظرت مجدداً. إلى أن جاء دوري، سلمت على موظفة الاستقبال وأخبرتها بالقصة وبالمطلوب. أخبرتني بأن المطلوب غريب وهي لا تعلم كيف يمكن ذلك، ونصحتني بأن أتوجه لخدمة العملاء بالداخل لسؤالهم. دخلت وسألت الموظف الوحيد المتاح هل يمكنني أن أسئلك؟ فأخبرني بأن أسأل الأستاذ في مقدمة المكتب متخصص الاستفسارات السريعة. ذهبت عنده لكنني وجدته مشغول في ورقة أمامه. غير عميلين منتظرين على مكتبه، وآخرين منتظرين بجانبه. فأخذت بعضي وخرجت. وكنت واضعاً في محفظتي إيصال قديم لدفع مصاريف الكلية من خلال البنك، وجدته بعدما بحثت في محفظتي القديمة حتى اكتشفت أن كل المعلومات على الإيصالات القديمة قد أمحيت. ذهبت مجدداً وقد تغير الجالس على كرسي الأمن فبحثت عن الوجه المألوف وأشرتله وأخبرته أنني لم أستطع الوصول للورقة المطلوبة لكن معي وصل دفع من الكلية. فأخبرني بأنه لا ينفعه. فقلت له أن يفحص الكاميرا ويتأكد من هويتي ويريح كلاً منا! فأخبرني أنه يريد ذلك لكن لا يمكنه وأن الكاميرا ستثبت أنك أنت من حملت الكارت لكن لن تثبت أنك أنت صاحبه!

خرجت خائب الرجا مجدداً. مع وصولي المنزل أرسلت رسالة لصفحة البنك الأهلى على موقع فيسبوك وأخبرتهم بقصتي. قصتي الأثيرة التي صرت أطور فيها وأجملها وأحاول اختصار كلماتها وحل ثغراتها مرة بعد مرة. أتى الليل ولم يرد البنك، وقد عقدت العزم على السعي لاستخراج بطاقة بدل فاقد. على أن أذهب لفرع الجامعة في الغد الاثنين وإما أن أحكي مشكلتي فيستطيعون حلها وإما أن أفقد الأمل في البطاقة الموجودة وأستخرج أخرى بدلاً منها.

اليوم الاثنين 13 نوفمبر 2017. ذهبت للامتحان - الحكومة الإلكترونية (!) - وانتهيت وطلبت من المراقب الخروج وأخبرني بالانتظار 5 دقائق حتى ينتصف الوقت. أخبرتني حبيبة بأنه هناك ورقة في الخلف لم أراها. قلبت الورقة فانقض علي 20 سؤالاً كنت سأتركهم وأمضي. انتهيت وشكرت حبيبة - هذه الفتاة الجدعة التي لن ترَ مثلها - وخرجت. قابلني محمد هشام في الخارج فقلت له أنني رايح لفرع البنك أخلّص حاجة، فقالي يلّا. في الطريق أخبرته بما حدث فأخبرني أن أستخرج بدل فاقد لكن هذا المشوار الذي نفعله ليس له فائدة. توقفنا في منتصف الطريق فشرحلي كيف استخرج كارت بدل فاقد لأخته من الفرع الرئيسي في قصر النيل واستلمه بعد ثلاثة أيام، لكن يجب أن أحضر معي الورق الذي استلمت به البطاقة منذ البداية. ظللت أفكر في طريق رجوعنا للرفاق في الكلية كيف سأجد هذا الورق الذي لا أعلم أين وضعته عندما رتبت أوراقي وأشيائي الكثيرة ووضعتها في أماكن متعددة!

عُدت للمنزل في أقرب أتوبيس إذ لم أنتظر ثانية واحدة حتى وجدته فركبت. ووصلت شبرا قبل الساعة 11 وتذكرت أنني الآن ذهبت للجامعة وعدت لمنزلي بينما أجدني في أيام أخرى نائم لا رجاء في. لم أغسل وجهي وإنما اقتحمت غرفتي مباشرةً وفرغت شنطة فاثنين فثلاثة ولم أجد الورق. مددت يدي لكومة الورق "المهم" "الذي سأقرأه يوماً ما" على المكتب وهي بطول 11 كتاب موضوعين جانبها. قلّبت في الجزء الأول منه فلم أجد شئ ولكني استعدت ذكريات لطيفة للأيام التي كنت أنتقى فيها هذا الورق من بين الجرائد والمجلات وربما أقتص مقالات بعينها أو من أوراق المبادرات والأوصاف لكيانات متعددة وأوراق قانونية وعلمية ودراسية وكراسة رسم هجرتها منذ سنين ودلائل لمعارض وأحداث ثقافية وبيانات ثورية! خرجت من عالم الذكريات وجلبت الجزء الثاني (الأصغر) أمامي بأمل ضعيف، ثم وجدتها!

أوراق بطاقة الدفع مقدماً من البنك الأهلي. ها هي بين يدي. تنهدت وقمت لأرتب أشيائي بعدما بعثرتها ولأغسل يدي ووجهي وأجلس. جلست وسألت أكثر من صديقة عن كيفية وضع البيتزا في الفرن فأجابوني لكن أمي اتصلت بي وخافت عليّ من الحرق فوترتني فتناولت البيتزا باردة لكنني أكلت على أي حال ثم حضّرت نفسي للرحلة من جديد، المساحة وإن لم تكن فقصر النيل. ذهبت إلى فرع المساحة ووجت عامل أمن مختلف عن سابقيه فقلت له أن يقول لأستاذ محمد أنني هيثم بتاع البنك الأهلي. فاتصل بمحمد وقال استاذ محمد. فقلت له لأ استاذ هيثم. فأغلق الخط. فقلت له أنا أستاذ هيثم هو أستاذ محمد. فقال لي أنه فعل ذلك بالفعل! فاعتذرت وكلمه مجدداً فتعرّف أستاذ محمد على الموضوع ونُقلت إليه رسالتي بأن الورق جاهز. فبعث بأحدهم لكي يستلم الورق والبطاقة. وبعدها بمدة نزل أستاذ محمد وأخبرني بأن هذا لا يمكن أيضاً. قلت له لماذا وقد طلبت مني أن أجلب ما يثبت أنني "صاحب" الكارت. وهاك الظرف الذي استلمت به إياه! فقال لي أنه يعلم أنني صاحبه وكل حاجة بس كإجراءات مش هيقدر يسلمني الكارت. وأن الورقة المطلوبة يمكن استخراجها من البنك وهذا الموقف حدث معهم مرة بالفعل وتم حله بهذه الطريقة. قلت له سأحاول مجدداً.

قطعت الطريق من ميدان المساحة إلى ميدان الدقي ودخلت البنك الأهلي. لكنني تعلمت هذه المرة. فأخبرته أن لدي طلب في خدمة العملاء. فأخرج لي رقماً لخدمة العملاء عوضاً عن الاستقبال الذي لم يفيدني بشئ. دخلت ووجدت أمامي 72 رقماً. لحظة دخولي وجدت الكرسي الأول خالياً، بجانب الفتاة العشرينية وأمها، فجلست. بعدها بدقائق قامت الفتاة لتجلس بجانب أمها من الناحية الأخرى. المهم انتظرت وكنت أقتل الوقت بسماع الأغاني وتكرارها بملل. الموظفة أمامي كانت تمرر الأرقام بسرعة وكنت أتابعها بعيني، أشجعها على المضي قدماً حتى ترتاح وأرتاح. زميلتها الموظفة الرابعة دخلت في اللعبة وصارت تتبادل معها تمرير الأرقام حتى ينجزا العمل. فقد صارت الساعة الثالثة عصراً - موعد انتهاء العمل الرسمي. انفض الجمع وخفت الحركة واقترب الرقم من 2167 - رقمي. قامت الموظفة الرابعة لتسأل آخر بضعة عملاء جالسين عما يريدون حتى يتم إنجاز التعامل مع العملاء. جاء دوري وأخبرتها، استغربت الأمر طبعاً وجادلت وكنت قد تعلمت فن البقاء على حق فذهبت لتسأل أحد المديرين وأخبرها كيف يتم عمل هذه الورقة ثم طلب مني أن أنتظر رقمي. انتظرت رقمي لكن جاء صوت بعيد يسأل هل من أحد قبل 2170؟ لم أستطع تحديد مكان الصوت فتأخرت، فانبرى العميل المجاور وقال أنه 2168. فسألَت هل من أحد قبل 2168؟ فقلت 2167. واعتذرت لجاري وذهبت للمكتب.

مسّيت على الجالسة بالمكتب وكان اسمها "ندى حواش" وعلى الفتاة الجالسة بجانبها. شرحت لها الموقف والطلب. طلبت الأوراق ثم بحثوا قليلاً ثم طلبت البطاقة. بحثوا ثانياً ثم أخبرتني أنني سأستخرج بدل فاقد لكن عليّ أن أعلم أي فرع أتبع أولاً. أخبرتها أن بطاقتي موجودة بالفعل على بعد شوارع وأن عليّ فقط أن أذهب لأخذها وأنني أريد ورقة من البنك تثبت ملكيتي للبطاقة. أخبرتني أن المعلومات التي أمامها ليست كاملة لكي تفعل ذلك وأن الرقم ناقص. قلت لها أن هذا ما أريده وأن الأستاذ ذو الشعر البرتقالي قال بإمكانية ذلك - أين هو؟ (أشارت للمكتب بجانبها) فهممت بالقيام لسؤاله فقالت لا عليك سأتصل به. ثم تحدثوا على التليفون الداخلي وكنت أستطيع سماع المكالمة من الطرفين مباشرةً وكان الأمر جديداً وممتعاً. فكرا قليلاً ثم تدبرا الأمر وأغلقا الهاتف وعلمت قليلاً. في وقت انتظاري خطر لي هاجس فسألتهما هل هناك هنا في البنك أحد خريجي سياسة واقتصاد؟ فنظرا إليّ ملياً وقالوا تلاتة. انت في سياسة واقتصاد؟ فتعرفنا على بعض واكتشفت أنهما من دفعة 2015 و2016 وأن إنجي - الفتاة الأخرى - كانت تُشَبه عليّ كذلك لأن ياسمين الدروي عرفتنا على بعض في زمنٍ بعيد. ثم قامت ندى فتحدثت مع إنجي قليلاً عن الأصدقاء والعمل في البنك حتى عادت ندى وفي يدها الورقة المطلوبة التي سأمضيها فقط من المدير (نفسه الذي كان مزدحماً يوم الأحد). ثم مضيتها وأخبرتهما فسعادتي بلقائهما في هكذا صدفة سعيدة وانطلقت لأنهي معاناتي في ميدان المساحة!

في طريقي قرأت الورقة مجدداً وكانت بعنوان "حسابكم طرفنا" هكذا بالخط تحت العنوان ومن تحته المتن. وذكّرتني هذه اللغة بلغة البيانات الثورية. وضحكت لذلك، ثم مضيت في طريقي.

وصلت هناك لأجد - كالعادة - رجل أمن جديد فطلبت منه أن يتصل بأستاذ محمد وأنني هيثم أحضرت المطلوب، وكانت الساعة الرابعة إلا ربع والبنك شبه مغلق فانسللت من تحت البوابة ودخلت لأنتظر على السلم. انتظرت حتى أتى أحدهم ليصعد بالورقة والبطاقة. ثم انتظرت ليطلب مني الصعود بدوري للانتظار فوق. صعدت وكانت الكراسي متصلة ومتراصة أمام الأبواب. لم تريحني فكرة الجلوس أمام الأبواب فذهبت لأقف بجانب النافذة الزجاجية الكبيرة. انتظرت مستنداً ومتكئاً وواقفاً. انتظرت ماشياً وجالساً على الكراسي التي سأجربها بل أنني سأرغب في النوم عليها بمرور الوقت. انتظرت فسمعت أصوات عمال الأمن يلعبون الكرة في جهاز ما، وسمعت أحدهم يتحدث عن جيشه، نومه، يومه، زوجته. انتظرت حتى تابعت المارة والسيارات والعمارات وأعجبت بالسحب. انتظرت حتى اكتشفت مكان كاميرا المراقبة فوق رأسي من الخارج، وآلات الطباعة والخزنة الجديدة الملقاة في ركن المكان. انتظرت حتى ذهبت لأفجر الكرات الصغيرة المنفوخة حول أي شئ جديد في المكان. انتظرت حتى تابعت صاحبة الكشك بالأسفل التي لا تكف عن مضغ اللبان. والسيارة بداخلها امرأة حائرة بين ولدها الطفل وابنتها الوليدة. والفتاة التي اعتقدت أنها آية صديقتي القديمة لكنها خالفت اعتقادي. فارتددت لأجد من وراءها نهى مسؤولة الميديا في STP سابقاً وكدت أنتصر على آية لكن نهى هزمتني أيضاً. وصديق أصدقائي الذي كان يعمل في البصريات في نموذج منظمة المؤتمر الإسلامي. وأتوبيس مدرسة Child Home التي كنت طالباً فيها أول ما رأيت تعليم. انتظرت حتى رأيت حياتي تسير أمام عيني. انتظرت حتى انتهيت إلى نفسي واقفاً وإبراهيم أبو جازية وعمر غانم يمران من تحتي!

أذّن المغرب. وحديث النوم وتعب اليوم أوقد الفكرة في رأسي. والملل دفعني لفتح كتاب الأحلام الأخيرة لنجيب محفوظ. وظللت أقرأ الأحلام وأحلم بالنوم على الكرسي. أقرأ كأنما أحلم بدلاً من نجيب. أقرأ فأنام. أنام فأحلم. أقرأ فأحلم. ظهر أستاذ محمد من بعيد. ثم اختفى مجدداً. وأنا أفكر فيما يحدث بالداخل. وأفكر فيما سيحدث بالخارج. ماذا سأفعل بالكارت. كيف سأحتفل. لماذا تأخرت. متى سأذاكر. ما الذي أفعله هنا. 

خرج موظف غريب في النهاية. واعتذر لي على الانتظار معللاً أنهم كانوا يجب أن يتصلوا بالرجل الذي أمضى على الورقة في البنك الأهلي! وطلب مني الإمضاء على ورقة فيها صورة بطاقتي وكارتي. وأعطانيهما، وذهبت أخيراً والكارت في حوذتي! بعد أيام طالت بيأسي، وأحلام مالت برأسي، لكنني الآن منتبه...

الأربعاء، 1 نوفمبر 2017

"عند موتك برضو غني .. ناس عاشتها بالتمني .. يفرق ايه الموت معاهم"
- محمود بنداري

أربعاء جديد وأجواء متداخلة

ضربتني الآن قناعة غامضة بأن الشعر يستيقظ بعد انتصاف الليل. قناعة ربما سأهجرها لأعوام قادمة. حدث ذلك بينما كنت آكل الملاعق الأخيرة من طبق الكشري الذي لم أكمله في وقت الغذاء، وأسمع "قوم فسرلك كيف بعيش للوطن"، ولا أعلم من المتهم الرئيسي في ذلك: الأكل أم الليل أم حامد سنو؟ أشعر أنني بالأمس، وكذلك غداً.. لأن هذه اللحظة ستُستسخ عشرات المرات بطول خط الزمن ذهاباً ورجوعاً، ستكرر وكأني أقف بين مرآتين يمثلان الماضي والمستقبل، وكل منهما يأخذني معه بنفس الطريقة، وينقلني بنفس الوضع، بينما أقف مكاني - أندهش. سأجد بعد ذلك أنني أقف على سلم يصعد في اتجاه آخر، اتجاه مجهول، ربما يصعد إلى ممر سيفضي في دقيقة إلى حضانتي القديمة. سأدخل وأسلم على طنط سهير وأذوب من جديد في ماضي لم يعد يسعني، كأنني أتذكر قول محمود بنداري "يا صاحبي في المجمل .. لبس الحياة ضيق .. وانا لبس روحي تخين .. محتاج مقاس أوسع .. عمركش شفت حزين .. بيغني يوم الأربع؟" سألاحظ لشئ ما في دماغي دائماً ما يسبقني بدقائق أو ساعات، أن اليوم هو الأربع فعلاً، وأنني ربما أكون حزيناً بمعنى من المعاني، وأنني لا أريد أن أكف عن الأغاني. كِدت أن أسقط أكثر من مرة في بئر الشعر بعد إذ أطلقت رهاناً صغيراً بأنني سأتوخى الحذر في سيري على ذلك الحبل، لئلا أقع فتبتلعني الجبال وترهصني الأوراق الرديئة. "لما اترك الأشعار .. حتماً هكون أجمل" قلت. "حتماً هكون أجمل؟ .. أنا already سئ .. يا صاحبي في المجمل .. لبس الحياة ضيق". هكذا كنا نتبارى بأحزاننا، لكننا في ذلك كنا فرحين، نكسر القدر بالسخرية، وتحدى الوجع بالبلاغة، البلاغة التي وجدنا فيها خيالنا سماءً نطير فيها بعيداً عن تراب الواقع ومهزلته. الملحمة التي نقلناها إلى أرضنا فسجلناها كآية تشهد أننا حاربنا مرفوعي الرأس. "ضيعت عمرك عالفرحة .. وكبرت فقير .. فكرك هتطير؟ .. عباس، مماتش بغلطة ريش .. أو لفة سير .. عباس، اتوضى، وصلى .. وصل للقمة الأعلى .. ونط، وعافر، طار .. من كتر الفرحة ماصدقش .. قلبه قرر ينهي المشوار .. ويقف في الجو .. عمرك يحلو .. لما تموت في اللحظة الأحلى" هكذا وقف الأخ في الجو، وهكذا أقف أنا الآن، أنظر للقادم وأنتظر. 

الخميس، 26 أكتوبر 2017

كل صوت تشويش

أفكار كتير بتضرب راسي في اليوم، في الصحو وداخل النوم، كتير منها بيقع وقليل بيبقى. من اللي بيبقى كتير بيكمل وكتير بيزهق. من اللي بيكمل كتير بيكبر وكتير بيقف. من اللي بيكبر كتير بيموت وقليل بيعيش. لخبطة في كل جزء من الحياة، كل نفس داخل وخارج لخبطة، كل دقة قلب اضطراب، كل صوت تشويش. أنا الحاجة الوحيدة الثابتة بس تبقى مشكلة لو معرفتش ايه أنا. ماعرفتش اتخيلني، ولو تخيلتني ماعرفتش امسكني زي كل خيال عارض. قررت قرار مش متأكد منه اني مش عايز اكتب شعر من بعد الفترة الأخيرة في الكتابة، إني عايز اتوقف شوية عشان اقدر اكتسب حاجات تاني، اني اكون أنضج من اني اكرر نفسي. لكن مش عارف هقدر على ده ولا لأ، واللي هيعرف هو سجلات المدونة دي. بفكر في الحاجات الصغيرة اللي لو رجع الزمن مكنتش هعملها رغم صغرها: كنت هفكر الأول قبل ما اكتب إهداء حوكا وبنداري في جروبي، وكنت همسك نفسي عن الرغبة في إسعاد ميمو بإني اعرف اختارله هدية صح ومش غلط تماماً، وحاجات ممكن تكون مهمة عندك وغير مذكورة خالص عن غيرك، بس عايز تفهمهم انك عرفت زي ما هم في وقت عرفوا. بمناسبة تويتة كيشو عن انه ماندمش على قرار التحويل من هندسة لحاسبات، انا كمان بفكر كتير اني مبسوط بكل اللي حصل رغم كل حاجة، كتير بحس بالضياع والتأخير وعدم الوصول لشئ، لكن كتير في المقابل بحس اني مبسوط واني في مكان مناسب رغم ضيق كل الأماكن. وحشتني ناس كتير مش عارف حتى ارجع افتح معاهم كلام على اساس ايه، اكيد كل واحد مشغول في اللي حصل له، أياً كان. باي باي.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

مغامرات يارا وهيثم (2) : في جيوب الدبدوب

كنت ممدداً على سجادة الصالة أتتبع شروخ السقف، أحاول استكمالها. يئست، فشبكت عيني في طرف جناح المروحة الأقرب وظللت أدور وأدور حتى توحدنا، فقللت سرعة دوران حدقتي حتى توقفت الأجنحة، حين هبط علينا الشتاء. دخلت يارا وقد أظلمت المكان تماماً إلا من نار المدفأة القديمة. كانت تنفخ في يديها استجلاباً للدفء. ثم غطتني ببلوفر عندما رأتني بالفانلة البيضاء. ماذا تفعل؟ قالت. أفكر في الكتابة تحت تأثير الموسيقى. أجبت. وهل وصلت إلى شئ؟ سألَت. ليس بعد. أجبت. جلست بجانبي تحت دفء الظلام. أغمضنا أعيننا معاً. ثم فتحناها على ليل مضئ. في مدينة بعيدة. جالسين على سطح بناية شاهقة. نرفع أيدينا فنلمس النجوم. نحرك أقدامنا فنمشي في الشوارع. كنت أتخيل نفسي أعزف على آلة صنعتها. وكانت هي ترقص كأنما خُلقَت للموسيقى. والمدينة من تحتنا تشتعل. أخبرتها عن رسالتي التي ستصل مقر المنظمة السرية في الساعة الأولى من الاسبوع القادم. رسالتي التي ستغير وجه المدينة بعدما يفتضح كل شئ فيها. رسالتي التي ستفضح كل ما تحت الجلد الأبيض من دم ملوث. رسالتي التي ستضع الناس أمام حقيقتهم وجهاً لوجه. فلن يكون هذه المرة سبيلاً إلى الكذب. أخبرتها أنني شعرت بالذنب لأنني لم أذكر اسم الشاعر الذي اقتبست أبياته. اسلام محمود الذي لم أنصفه أنا بعد إذ لم ينصفه أحد. ينقلني حديث الشعر إلى مقدمة المتنبي التي ساقها فؤاد حداد فحولها من بيت إلى مطرقة تطرق رؤوس الكتب ورأسي: "وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكا .. كالبكا .. كالبكا" أبكي. أفيق مجدداً وقد دارت يارا حولي مرتين، نهضت من مكاني أحاول البحث عن شفرة مفقودة. شفرة جعلتني أصمت حتى عندما أطيل الحديث. لابد أنها مكونة من حروف وأرقام حتى يصعب علينا البحث. بحثنا على الكنبة، تحت السجادة، في أدراج المكاتب. بحثنا بين الكتب، فوق الكراسي، داخل الصناديق. في أحد الليالي شكّت يارا عندما وجدت الدبدوب يتسلل من سريره ويخبئ شيئاً ما خلف الستائر. لم تكن لتستطيع مواجهته بالحقيقة. لكن كفاها أنها علمت كيف ستمسك خيوط الأحداث الغريبة في البيت بعد ذلك. هذا سيسهل عليها حياكة القصص بلا رهبة ولا كسل. قلت لها أكثر من مرة أنني أنتظرها وتقول أنها تعمل على ذلك. لكنني لا أعلم كيف أتتبع صدق النية حتى إرادة الفعل. حاولت مرة وفشلت. هي لم تعاتب فشلي، ولم ألوم أنا خوفها. كل منا يعلم أن للآخر عالم أراد أن يخوضه. أراد أن يربي فيه العزم على الوقوف إذا غابت الأرض. عالم يستطيع تطويعه بما يتفق مع رغبته في التجربة. وإن أراد مع كل ذلك من يخبره بحلول غير مألوفة قد تمد له أيدي إذا انقطعت حبال. أمسكنا بالحبل ولعبنا حتى لهثنا من التعب. قمنا لننظر نظرة أخيرة على المدينة ثم قفزنا من ماسورة المدفأة فلم تحرقنا النار، لكن سبقتنا الأمطار، حين هبط علينا الشتاء.

الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

مغامرات يارا وهيثم (1) : السقوط من أعلى الكومودينو

بالأمس نهرتني لأنني وضعت البسبوسة في الثلاجة. كنت جالساً في مكتبي أتأمل الحقيقة الأدبية بينما طرقت يارا الباب ودخلت. تأملتها. كانت ترتدي قميص كاروهات أزرق في بمبي وبنطلون جينز وتحتل المشهد كعادتها. ابتسمت لي وقالت أنها ستذهب للسينما. فاليوم يبدأ العرض الأول من فيلمها المفضل. ذَهَبَت هي بينما أعددت نفسي للبكاء. في الليل جلسنا على كنبة الصالة. أخبرتها بأنني أعمل الآن على قصة لم تكتمل أبداً في دماغي، بل لم تظهر أصلاً، قصة ستكشف حقيقتي أنا كما أرادت أمل استجلاءها. أسألها عن حياتها. تطلعني على لوحاتها الأخيرة لإعادة تخطيط جزيرة الوراق كما كلفهم أستاذ علي جبر في سكشن التاسعة صباحاً يوم الأحد الفائت. أطلع على اللوحات بينما أغيب في أفكار أخرى. أنتبه لنفسي وانتظارها ونظرها إلى انطباعات وجهي. أحرك عضلات عيني فتظهر غمازتها اليمنى بجانب خدي الأيسر. أنظر إلى عينيها من وراء العدسات البني وأخبرها أنها أجمل امرأة في العالم. ثم ينقطع النور. ويعود مجدداً فأجد نفسي ممدداً على أريكة غير منتظمة، تقسم ظهري أكثر ما هو مقسوم. ألج بداخل مواقع أسسها مهندسون في مكان وزمن بعيد. أهرب من القبح إلى اللوث. أسترجع قصيدة لشاعر غمرته موجة الثورة ولم يصعد مجدداً. "آه يا مصر وأكم .. قلنا آه من الألم .. قلت الكتابة آه .. ورق وحبر وقلم". كم ينشط إحساسي بالزمان رغم رعونته. أفيق من بكائي فأجد نفسي في المكتب مجدداً. أمام مكتبة ضخمة. بلا عناوين. وتصبح قصة حياتي وقتها بعنوان "من أين أبدأ؟". أجلس متربعاً أمام المكتبة، أمام السؤال، بلا عمل غير محاولة الإجابة، محاولة ستصبح فيما بعد هي والعدم سواء. محاولة ستعيد الشكوك حول قدرة الإنسان على تحريك الأشياء برأسه فقط. وبينما أعبر هذا السطر في عقلي إذا بشئ يتحرك في رأسي. إنها يد يارا تشد شعري منذ خمسة دقائق. أعجبك الفيلم؟ سألتها. جداااا. أخبرتني. سألتها عن خططها القادمة. أسرّت إلى بأنها تخطط لإعادة ترتيب الغرفة بما يحل علاقات الأشياء ببعضها البعض. الدولاب بالحائط، السرير بالكومودينو. التسريحة بالكرسي. تريد تجربة نسق جديد لحياتها اليومية، إلى جانب هدفها الأخلاقي من التجربة، وهو أن تتعلم الأشياء الفقد وتعتاده، قبل فوات الأوان. تسللت إلى المطبخ، وقمت بإحضار النسكويك لكي نشربه سوياً أمام المسلسل. فرحَت لإنني علمت ما تفكر به دون أن تقوله. تناقشنا حول العمارة والسياسة، ومن منهما يأتي قبل الآخر، وكيف اخترت بينهما بعد تفكير طويل، كدت أميّلها تماماً ناحيتي، وفشلت في اللحظة الأخيرة. كانت يارا دائماً هي هامش الخطأ في ادعائي المثالي. يارا نجاحي الذي فشلت فيه. يبعث نفسه للحياة ثم يلوح لي، وأنا من حفرتي أبتسم. تتحول اليد الملوحة إلى يد مستقيمة، مائلة إلى الأسفل، تمتد لتقول لي "قوووم". أتشبث بها، أقوم فأنفض التراب عن ملابسي وأتأمل الشمس. تضع يديها حول عيني محذراني من الوقوع في مغبة النور الساطع مرة أخرى. تجذبني للمشي بجانبها، تحت الشمس، بينما تهبط الشمس تحت البحر، فنغرق نحن في اضطراب لا نعلم من أين جاء. أصاب عالماً أبيض أو عالماً أسود. دائماً ما تختفي التحيزات في الحب.

الاثنين، 9 أكتوبر 2017

دماغ

كنت في اسكندرية لسبب أجهله. قاعد على قهوة عالرصيف وقدامي عالناحية التانية مبنى. عليه بانر غريب لحفلة مسار إجباري يوم 19. وماتسألنيش 19 ايه انما دي تفصيلة مهمة. فتحت الواتساب عشان اكلم مصلح لقيته بيكلمني هو بحب وإقبال شديد. قلتله فيه حفلة يوم 19 ماتيجي، قالي جاي وش. قلتله طب هتقول للعيال ولا اقولهم انا؟ مش فاكر انه رد عليا. كنت واقف قبل الحفلة لقيت ميم وكاف قدامي رحت حضنت ميم وبستها وباستني بعشم فشخ، ورحت بست كاف بتحفظ وسين كانت واقفة على مقربة غالبا. سلمت عليهم بحب وسألتهم رجعوا من جيم امتى قالولي من اسبوع، مع انهم كانوا رايحين اسبوعين وغادروا اخر الشهر اللي فات. بس فعلا مفيش مشكلة في التفصيلة. رحت عشان ادخل الحفلة دخلت الهول وخرجت ومفيش حد كلمني، واحد كان واقف سألني عايز تذاكر؟ استغربت من السؤال وقلتله ايوة عايز الحفلة، قالي فيه حفلة وندوة وحاجة تالتة وانت لازم تحجز حاجتين، قلتله قشطة هحضر الندوة والحفلة ودفعتله 90 جنيه ماعرفش منين. محمد عفت كان قاعد جنبي ومترقب بطريقة غريبة نيك وعلى وشه نص ابتسامة فقمت سلمت عليه بصوت عالي نيك ماعرفش ليه وكملت كلام مع الراجل، وعفت بدأ يضحك أكتر والست المنقبة اللي جنبه قلعت النقاب و- ماعرفش كانت لابساه ليه. كنت لسة هدخل قالي انا عايز واجبين، واجب منك وواجب منه - كان قصده على حد دفعله في نفس التوقيت بس ماعرفش ايه علاقتي بيه؟ قلتله يعني ايه؟ قالي الواجب يعني دماغ. قلتله ااه مش تقول، *بصوت عالي* : حد معاه دماغ يا جماعة؟؟ وعفت اتفشخ ضحك. محدش رد قلتله هتصرفلك وش وكان في دماغي مصلح. وكان لسة واحد بيقول الصيني جه، قتله ايواا الصيني ده تبعي. فتحت الباب لقيت السلم مليان ناس مختلفين جنسيا بطريقة مريبة حاولت ادور على اي دماغ بدون فايدة. لما دخلت تاني سين زعقتلي عشان حضنت ميم وبستها، المهم كانت مقاعدنا في الصف الأول جنب بعض. انت فين يا مصلح؟ وفين الندوة؟ وفين الحفلة؟ وانا كنت بعمل ايه على الرصيف في اسكندرية؟ افتكرت. قبلها بالظبط كنت بشهد خناقة غريبة على حاجات مش فاكر تفاصليها، كان ليا رأي في الخناقة قلته في الآخر والست صدقتني ودعتني لطلوع البيت عندهم، كنت هطلع البيت وتراجعت وقلتلها هبقى اجيلك، وهي بيتها مليان ناس رخمة ماعرفش كانت عايزاني اقعد معاهم ازاي. وفي رحلة بحثي عن الدماغ، دماغي اتفتحت فتحة خفيفة، وفتحت عيني وكانت متعلقة قدامي آخر تفصيلة، اللي ضحيت بيها عشان باقي التفاصيل.