‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكيفيات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكيفيات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 مارس 2018

الكيفيات (8) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (3) : في التكثيف والفناء



في الفضاء الهندسي، إذا أردنا تعيين نقطةٍ ما، فإننا نقوم بتعريف قيمها في المستويات الثلاثة التي تشكل الفضاء، أي أنه لكي نقوم بتعريف نقطةٍ ما، فينبغي علينا تعريف ثلاثة قيم تمثل كل قيمة منهم موقعها في أحد هذه المستويات. وإذا أحلنا هذا الأمر إلى الفضاء الإنساني، فقد تتعدد المستويات التي يمكن من خلالها تعريف الناس، بتعريف مواقعهم منها. وإذا كنا قد افترضنا ارتسام الخطوط التي تجمع بعض النقاط من الناس، فإننا لم نفسر لماذا قد تجمع الناس طرقاً بدون أن تجمعهم قلوب، ولماذا قد يحقق الإنسان حل الوحدة بالتغيير ولا يخرج منها، وهذا الطرح هو محاولة للاقتراب.

فنقول إن هذا الخط الذي افترضناه سلفاً سيتشكل بتعيين النقاط التي من مواضيعها هذا الموضوع (الدراسة، العمل، الصداقة، العائلة، الثقافة، السياسة، الفكرة، الفن،...). ولكننا نجد زملاء في الدراسة أو في العمل، وأبناء للأسرة وللعائلة، وأصدقاء في المجموعة وشركاء في الأفكار، تتباين الدرجات بينهم تفضيلاً أو عزوفاً أو بينهما، وقد تصل بالطبع إلى العزوف التام، وبالتالي لن يجمع بين أصحابه (إذا استثنينا الظروف الأخرى) سوى الوحدة. وهنا تعود المشكلة مجدداً.

لماذا نفضل بعض الأصدقاء دون غيرهم؟ نحبهم؟ نعم، ولكن في هذا السياق بالذات، كيف نقوم بتعريف الحب؟ نعود إلى التصور الهندسي من جديد لكي نتمثل المسألة. فإذا كان لدينا خطاً يتكون من عدة نقاط، فكيف تكون العلاقة بين هذه النقاط غير علاقة متوالية؟ أي أنه لا يمكن استكمال هذا التصور بغير معرفة أن هذه النقاط توالي بعضها بعضاً، وبالتالي فبالنسبة لنقطة ما، تختلف المسافات بينها وبين النقاط الأخرى بقدر عددهم، وهنا تُحل المسألة. فهذا الخط الحُر في الفضاء الإنساني المُفترض، يجمع عدد من النقاط عرّفتها قيمها في المستويات الافتراضية المذكورة سلفاً. وبالتالي فكلما اقتربنا من هذه النقطة، نقترب أيضاً من القيم التي تمثلها، وكلما ابتعدنا عنها كذلك، نبتعد عن القيم التي تمثلها. ولذلك يكون من نحكم عليهم بالقرب من قلوبنا، مشتركين معنا في مستويات من التفاهم والتواصل (والتعارف) بكثافة أكبر مما هي مع الآخرين. وكلما زاد هذا الاشتراك، أي كلما قصرت المسافة، أي كلما اقتربت القيم بين النقطتين، كلما تبددت وحدة كل منهما، حتى تنعدم إذا كادا يتلامسان، فيصبحان مرآة لبعضهما البعض، وهنا يحدث ما يقول عنه درويش "ولستُ أنا مَنْ أنا الآن .. إلاَّ إذا التقتِ الاثنتان ِ : أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ .. يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ .. ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا .. عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ .. لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ" (محمود درويش، لاعب النرد). فقد قرن الشاعر بين الذاتين (إذا التقت الاثنتان)، التي لا تتعرف إحداهما إلا بهما، لكي يحل السماوي في الجسدي، وهو الحب. وسنجد كذلك أن هناك حباً صوفياً يتجاوز معاني القرب إلى ما دونها، فيقول الحلاج "عَجِبْتُ منكَ ومنّي .. يا مُنيَةَ المُتمَنّي .. أدنَيْتَني منكَ حتى .. ظَنَنْتُ أنَّك أنّي" (الحسين بن منصور الحلاج).

وبالتالي يصبح الحب هو رؤية الذات (جزئياً أو كلياً) في المحبوب "والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسي .. ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي .. ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحاً إلا وأنت بقلبي بين وسواسي .. ولا هممت بشرب الماء من عطشٍ إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكاسِ" (الحسين بن منصور الحلاج)، واعتباره بالتالي جزءاً منها، فهي لا يكتمل وجودها (إلا إذا التقت الاثنتان)، ولذلك يصف البعض انفصال المحبوب كانفصال القلب أو الروح "وتذهبُ بالأشواقِ أرواحنا منا" (مدين بن الغوث). ثم تتوحد الذات مع الآخر "لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ .. فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ .. وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ .. وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ" (محيي الدين بن عربي، أدين بدين الحب)، فهو لم يعد يراه ولا يعرفه إلا من خلاله. وبأخذنا هذه الأشكال الكثيفة من الحب والائتناس، إنما نسوق الدليل على قيامه بمدى الاقتراب من الذات من حيث هي، أي مما تُعرّف هي به.

وبالتالي، عودةً إلى ما سألنا سابقاً، يتوقف ائتناس أحد الناس بوجود من يرى فيه صوراً من نفسه عن قرب، قال تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189]، وذلك يعني أن النفوس قريبة من البداية، وأنها تسكن إلى بعضها - بالمعنى الجنسي والإنساني أيضاً - عندما تكون "منها" ، وهذا جواب السؤال الأول. وأما جواب السؤال الثاني، فإن الإنسان الذي تسير حياته مساراً جيداً بلا رفقة، إنما لم يجد بعد من يرى فيه نفسه، قريباً أو صديقاً أو رفيقاً أو مُحباً.

"خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
وطني.
هل تحسّ العصافير أنّي
لها
وطن ... أو سفر ؟
إنّني أنتظر ...
في خريف الغصون القصير
أو ربيع الجذور الطويل
زمني.
هل تحسّ الغزالة أنّي
لها
جسد ... أو ثمر ؟
إنّني أنتظر ...
في المساء الذي يتنزّه بين العيون
أزرقا ، أخضرا ، أو ذهب
بدني
هل يحسّ المحبّون أنّي
لهم
شرفة ... أو قمر ؟
إنّني أنتظر ...
في الجفاف الذي يكسر الريح
هل يعرف الفقراء
أنّني
منبع الريح ؟ هل يشعرون بأنّي
لهم
خنجر ... أو مطر ؟
أنّني أنتظر ...
خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
كان يهملني من أحب
و لكنّني
لن أودّع أغصاني الضائعة
في رخام الشجر
إنّني أنتظر ..."
(محمود درويش، هكذا قالت الشجرة المُهمَلة)

الثلاثاء، 13 مارس 2018

الكيفيات (7) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (2) : في التشتيت واللقاء



يمكن أن تتواجد مواضيع يتحرك فيها الإنسان لكنه يشعر بالوحدة، كطفل لا يجد من يشاركه اهتمامه بمتابعة رياضة ما، أو كمراهق انخرط في متاهات الحاسب الآلي ولا يجد من يرافقه، أو كشاب يقضي أيامه ولياليه في الأفلام والمسلسلات وحيدا حتى مل، وهنا لا تكون النقطة بعيدة عن بقية النقاط في خطها بقدر ما تلتزم حركة أكبر لحصول الوصول، ويتطلب ذلك أن تتحول النقطة من محطة استقبال فقط إلى محطة استقبال وإرسال، وحيث أنه لكل فعل رد فعل حسب قانون نيوتن الثالث، فطالما وجدت رسالة سيوجد المرسل إليه، حتى لو لم يظهر لسبب ما. ولكن ذلك مرهون بمحتوى الرسالة كذلك.

 وقد يوجد اجتماع في العمل والأسرة أو التنظيم ولا توجد جماعية، كأن يكون العمل منفرا فلا يمكن أن يصبح موضوعا مجمعا، وهنا قد يتنافر العمال أو يمدون طرقا جديدة للتواصل على أراض مشتركة بينهم، كالكلام في الحياة، وإذا ثبتت الأخيرة عند أحدهم فلا مفر من وحدته بينهم، وكذلك اذا توقفت اختلافات وتغيرات الحياة في الأسرة عند أحد أعضائها فلم يعد هناك ما يتحدث فيه، أو إذا ركد التنظيم على افراده وتوقفت مياه الإبداع فيه عن السريان، أو إذا ظنوا أن السياسة أغلقت في وجوههم فلم يعد هناك سوى إعادة إنتاج الشكوى من الواقع الراسخ، فلا مفر من انفضاض الجمع.

 وإذا استقر أمر الإنسان في وحدته فسيذهب هذا به إلى الهلاك أو المرض أو الجنون أو التعايش أو الإبداع في حالات قليلة. ويتمثل الهلاك في الإقدام على الانتحار، والمرض في الاكتئاب والأمراض النفسية، والجنون في النسخة الأقسى من هذه الأمراض والتي يمكن تمثلها في الشوارع فيمن نسميهم "المجذوبين" الذين غرقوا في وحدتهم. والتعايش سنتطرق له لاحقا .وفي الحالة الأخيرة يمكن أن يحول المبدع وحدته إلى تعبير صارخ، وإثبات للوجود في وجه العالم، كحيلة للخروج من الوحدة بالدخول في الجميع من أبواب سرية، فلا تكون الوحدة وقتئذ بالنسبة للمبدع واطئة أو حتى محسوسة، فقد أتاحت له فرصته التوحد مع كثير، ولو على مستوى آخر غير مرئي، لكنه يستطيع التقاطه.

 وبعد ظهور الإنترنت في نسخه الاجتماعية، أصبح من الممكن دائما وجود موضوع، ولو بشكل افتراضي. أصبحت المواضيع شبه مفتوحة للانخراط فيها، وأصبحت الرسائل عامة في إنتاجها وإعادة إنتاجها حتى تستنفذ وتستبدل برسائل جديدة حسب السائد والمنتشر. حتى أن الذوات نفسها تحولت إلى مواد للتموضع، وأصبحت هذه الديناميكية ضامنة لتكذيب أثر الوحدة الحقيقة بجماعية مصطنعة اصطناعا، ومتحولة إلى ملجأ شبه دائم لكل الهاربين من أثرها المر، إلى السكر بنبيذ الشتات الأكثر مرارة، لتتحول حياتهم إلى وحدة في الواقع، وشتات في المفترض.

 وإذا كنا اتفقنا أن التغيير لازم لنقض الوحدة، فينبغي القول بأن التغيير ينبني على ثلاثة معارف: معرفة حاضرة، بالموضع الذي نحن فيه، ومعرفة ماضية، بالموضع الذي أتينا منه، ومعرفة مستقبلية، بالمواضع الافتراضية التي يحتمل أن نذهب إليها، وثلاثتهم في العقل: فالأولى محلها التفكير، والثانية محلها الذاكرة، والثالثة محلها الخيال، وبغياب أحدهم تغيب القدرة على التغيير الواعي لموضع أفضل، فلا يمكن القفز من الماضي إلى المستقبل بلا علم على أي أرض نقف، أو بلا آلية للعمل الحاضر أصلا، ولا يمكن التحرك خطوة بلا معرفة بالخطوات التي أدت بنا إلى هنا، ولا يمكن التحرك أصلا إذا توقف العقل عند الحاضر وإتمامه بلا أي أفق لتجاوزه.

وإذا كان التفكير (كآلية عقلية) لا يحتاج أمثلة للدلالة على أهميته في القيام بالفعل - أي فعل - والذي يؤدي إلى التغيير - أي تغيير. فكلا من الذاكرة والخيال يحتاج. وفي تمثيل دور الذاكرة في التحرك الإنساني، يقول فؤاد حداد "أقولك الحق واضرب لك مثل ساير .. وان كنت ماعرفشي لا اخبي ولا اساير .. من صغر سني وأنا صاحب مزاج ثاير .. واكمني ثاير لا يمكن يا ألف بائي .. تلاقي زيي على عهدك أليف باقي .. واكمني ثاير بقول من فات قديمه تاه .. لابد للحي يترحم على موتاه .. واللي أتى بالجديد لولا القديم ما أتاه .. يا أمَّتاه أنا ابنك عالأثر ساير" (فؤاد حداد، ديوان المسحراتي)

وفي تمثيل دور الخيال، فإذا كنا استددلنا سابقا بالآية {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] فنعود هنا ونشير إلى الطبيعة التغيرية للنفس كما وردت في القرآن، فيقول تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، ويقول في موضع آخر {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [التوبة:118]. أي أن النفس تضيق وتتسع. وفي الآية الأخيرة ارتبط الضيق {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بالتخليف، أي الترك، فارتبط الضيق بالوحدة. وقال الشاعر "لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا .. ولكنَّ أَحلامَ الرِّجالِ تَضيقُ" (عمرو بن الأهتم المنقري). فآل ضيق البلاد بأهلها (كما ضاقت الأرض بما رحبت) إلى ضيق أحلام الرجال، أي خيالهم، الذي هو أحد محركات التغيير، والخروج من ضيق الوحدة إلى رحابة الجماعية.

ينبغي البحث عن هذه المحركات الثلاثة (الذاكرة، التفكير، الخيال) الدافعة للتغيير الذاتي - الذي يؤدي بالضرورة للتغيير الجماعي، والتحول من وحدة الإنسان إلى جماعية الإنسان/وحدة المجتمع.

وإذا توفرت المحركات الثلاثة، ووجدت المواضيع، ولم توجد الذوات المناظرة، فسيؤدي ذلك إما للبحث عنها، أو للارتداد داخل تصور موازي للعالم كقطب آخر مناظرا للذات كقطب أول، وتحدد العلاقة بين القطبين شكل الحياة، فيكون العالم فاسدا أو عبثيا أو مجنونا أو جميلا أو ظالما أو منسجما أو خاطئا أو متشكلا بتصور معين (قد يتغير) للفرد عنه، وعلى النظير يكون الفرد إما متماهيا أو مسالما أو ساخطا أو ساخرا أو محبا أو كارها أو لا مباليا أو غاضبا أو متحديا في حالات قد تتغير باستمرار أو قد تثبت. تمثل أشكال الحياة سابقا الذكر التعايش كنتيجة محتملة لوحدة الإنسان. لكن كما يظهر، فإن النتائج الخمسة المحتملة (الهلاك، المرض، الجنون، التعايش، الإبداع) متداخلة وغير واضحة الحدود. فيمكن اجتماعها جزئيا كما اجتمع المرض والتعايش في جوناثان نويل بطل رواية الحمامة للأديب الألماني باتريك زوسكيند، أو حتى كليا كما نرى في حياة الشاعر الألماني فريدريك هولدرلن مثالا (ستيفان سفايغ، بناة العالم 1). والوحدة في هذه الحالات متوازية إذا توفرت المحركات كما في حالة الشاعر وإذا لم تتوفر كما في حالة البطل.

لكن بما أننا وصلنا لأن توافرها لازما، فينبغي تصفية الجوانب السلبية للارتداد. فأما الهلاك، فلكي نقاومه، وهو الموت حتى إذا لم يكن جسديا، سنضع أمامه الحياة، والحياة لا يتم دفعها إلا بالحب - في معناه المطلق. وأما المرض، فتكون مقاومته بالصحة، كما يمكن تمثلها بالرياضة والممارسات الصحية. وأما الجنون (وهو عدم السيطرة على العقل أو التصرف بدون وعي) فتكون مقاومته ابتداءاً بالتعقل والتحكم إزاء مختلف تجارب الوعي والعمل على توسيعه ليشمل المزيد من الظواهر خارج الإنسان وداخله.

لنحاول استعادة ذاكرتنا، تصحيح تفكيرنا، إنارة خيالنا، إحياء الحب في قلوبنا، الاهتمام بأجسادنا، والوعي بأحوالنا، فلا تضيق بنا الأرض بما رحبت، ولا تضيق علينا أنفسنا.

تَضِيقُ بِنَا الدُّنْيَا إِذَا غِبْتُمُ عَنَّا * وَتَذْهَبُ بِالأَشْوَاقِ أَرْوَاحُنَا مِنَّا
فَبُعْدُكُمُِ مَوْتٌ وَقُرْبُكُمُ حَيَا * فَإِنْ غِبْتُمُ عَنَّا وَلَوْ نَفَساً مُتْنَا
نَمُوتُ بِبُعْدِكُمُ وَنَحْيَا بِقُرْبِكُمْ * وَإِنْ جَاءَنَا عَنْكمْ بَشِيرُ اللِّقَا عِشْنَا
وَنَحْيَا بِذِكْرِكُمُ إِذَا لَمْ نَرَاكُمُ * أَلاَ إِنَّ تِذْكَارَ الأَحِبَّةِ يُنْعِشْنَا
(أبو مدين الغوث)

الكيفيات (6) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (1) : في التفكيك والبناء



لم يخلق الله أي شئٍ وحيد. إذا تأملت الإنسان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1]، الحيوان {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود:40]، النبات {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد:3]، الجبال، وحتى الكواكب والنجوم والمجرات، رجوعا إلى الإلكترونات والذرات {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات:49]. لن تجد تقريبا شئ إلا وله نظير ومكافئ. ربما يفسر ذلك التأكيد في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، ونفي النفي في قوله: {لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، أي مكافئ. 

فهذه هي الطبيعة الجماعية (الاثنينية) لكل موجود. وإذا كان بني آدم هو المفضل على كثير من خلق الله فينبغي بالضرورة أن يظهر الفضل فيه في جميع أجزاؤه: العقل، الروح، الجسد، ففضل العقل في التصور والقدرة والإرادة، وفضل الجسد في أحسن تقويم، وفضل الروح فيم أشار إليه حديث النبي: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)) (رواه البخاري ومسلم وغيرهما)، وفيها نجد القيمة الجماعية للإنسان، في روحه التي تأتلف مع نظائرها التي تتعارفها - ولنرجع هذا اللفظ إلى معناه القرآني في الآية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:13]، وهو يعني التواصل مع الآخر سواء الآخر الجنسي "ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ .. إذا التقتِ الاثنتان ِ : أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ" (محمود درويش، قصيدة لاعب النرد)، أو الآخر الإنساني. ونعود فنقول، أن هذه الجماعية (الاثنينية) جزء لا يتجزأ من الإنسان، فلا يستقيم أن يعيش الإنسان وحيداً. 

وجماعية الإنسان (أو عدم وحدته) مشروطة كما ورد بالتعارف: التواصل، والتواصل يعني الوصول المتعدد، والوصول يتطلب نقطتين بينهما طريقا، أي أن شرط التعارف وجود طريق بين الإنسان وبين كل الذين يأتلف معهم، فتكون الوحدة بالتالي هي انقطاع هذه الطرق. 

ومعنى وجود نقطتين بينهما خط أن كلتاهما تقع على هذا الخط، الذي ربما تقف عليه نقاط أخرى. كلتاهما تنتمي إلى هذا الخط. وإذا كان الأمر كذلك، فالنقطة الواحدة أيضا شريكة في خطوط كثيرة، مع نقاط أكثر عليها. وحتى لا تأخذنا هذه الصورة أبعد مما نريد، نعود فنقول أن الخط هو موضوع النقاط، والنقطة هي ذات الخطوط. وبالتالي أصبح الموضوع يتكون من ذوات كثيرة، لولاها لما وجد. فكيف نتحدث عن مشترك بين لا شئ؟ 

إذن، فلكي تقر جماعية الإنسان، وتدحض وحدته، ينبغي أن يكون مشتركا مع نظرائه في مواضيع تمثل لقاءهم وتواصلهم. فالمحبين موضوعهم الحياة المشتركة، والدارسين موضوعهم العلم، والمتفقهين موضوعهم الدين، والمثقفين موضوعهم الثقافة، والمتسيسين موضوعهم السياسة، والأهل موضوعهم البيت والمستقبل، والعاملين موضوعهم العمل، والأصدقاء موضوعهم الحياة الحاضرة والآتية، وتتعدد وتتجذر الموضوعات بين الإنسان ونظرائه المتختلفين، وحتى لو أصبحت هذه المواضيع هي حياتهم نفسها (في حالة الأهل والأصدقاء والعشاق).

وطالما كنا نتحدث عن الوصول بين نقطتين، فهذا يعني أننا نتحدث عن تحرك متخيل لهما (بينهما)، وإذا كنا نتحدث عن الحركة فيقول قانون نيوتن الأول للحركة: "الجسم الساكن يبقى ساكناً والجسم المتحرك يبقى متحركاً مالم تؤثر عليه قوة ما". وهذه القوة يمكن إحالتها للتغير. أي أن كل من النقطتين تتطلب تغيرا ما يدفعها لإعادة الوصول (التدفق) من جديد. وإذا لم يحدث ذلك؟ ستظل كلا النقطتين ساكنتين وسينقطع التواصل وسينفض الطريق. 

وذلك يعني مبدأيا أن كل نقطة ينبغي أن تكون في تغير باستمرار حتى تحافظ على الخطوط الموصولة بينها وبين النقاط الأخرى، وما لم يحدث ذلك تسكن وتنقطع صلاتها وتتوحد حتى تختفي من الوجود (بالنسبة لبقية النقاط) وتظل على ذلك ما لم يحدث تغير وتعيد الارتباط في خطوط جديدة مع النقاط المناظرة مرة أخرى. 

ونتيجة ذلك أن حل الوحدة يبدأ من التغيير الذاتي المستمر. فإذا لم يكن هناك تغييرا في حياة أسرة البيت سيشعر الفرد بالوحدة في الأسرة، وإذا لم يجد جديد عند الأصدقاء سيشعر الفرد بالوحدة بينهم، وإذا سكنت حياة المحبين لن تبقى أجنحة الحب معلقة في الهواء "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه" (ابن عربي، رسالة ما لا يُعَوَّل عليه)، وإذا نضب خيال السياسيين لن تظل المسيرة مجتمعة، وإذا ظلت الأرض تجذب الساكنين لن تظل البلاد متسعة {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، فجماعية الفرد (نقض وحدته) تنتج من تغيره المستمر، وتؤدي إلى وحدة المجتمع، لأنه أصبح بها فقط "مجتمعاً". ولا يوجد مجتمع ولا إنسانية من أناسٍ وحيدين.

الخميس، 28 سبتمبر 2017

الكيفيات (5) : كيف أصبح للصمت صوت؟

ربما جاءت اللحظة التي لا مفر فيها من الكتابة. اللحظة التي كلما واتتني قذفتها بعيدا. ككرة يستفزني كمالها كلما نظرتها من قريب، فدفعت قدمي صوبها منتصرا. والآن قد صرنا - أنا وهي معا - في مواجهة الحائط، فلن يطير أحدنا. كم وددت لو أنني أستطيع رفع ذراعي وتحريكهما فيرتفع جسدي عن كل مكان.

لكن متى كانت الأساطير في مدى أذرعنا؟ لا أستطيع إلا أن أمشي، كما أمشي كل يوم، لأخوض ذات الأحاديث، وأحل ذات الخلافات، وأقابل ذات الأشخاص. لا مجال للمراوغة في الحياة، ولكن ذلك ليس بموضوعنا، إن كان لنا موضوع.

والأكيد أن لنا ذات، ولن نذهب بعيدا للبحث عن مكونات هذه الذات كما ذهب الفلاسفة وعلماء النفس، ولا للبحث عن الذات نفسها كما فعل السادات، ولكن لتأكيد وجودها ربما مع عدم وجود أي شئ آخر ذي ثقل في حياتي، على الأقل إلى هذه اللحظة.

وربما تكون هذه هي المشكلة، عدم وجود الموضوع. وجود ملهيات دائمة التداخل والتلون، حالما تختفي تطغى رنة الصمت في الأذن، فالصمت - في النهاية - أصبح له صوت، كما أصبح للعدم شكلا وأشكالا.

أشعر أنني اقف هكذا، مفاخرا بنفسي، رافعا رأسي، متربعا على قمة الفشل. ألوح لكم، فلوحوا لي، وامضوا في طرقاتكم، وأفسحوا المجال للملوحين الجدد، فلا وقت لدي لاعتياد الأشكال وحفظها، فذاكرتي ممتلئة بحفظ قصتي، قصة صعودي الغريب على جبل اللاشئ، مديرا ظهري للناس والحجارة، ناظرا للشمس كي أرى. أي حمق أنا فيه؟

الأحد، 12 يوليو 2015

الكيفيات (4) : كيف أخَذَت الهزائم أشكال الإنتصارات

-1-
كُنا هُنالك على السطح , نهرب من اللعنة التي تلاحقنا , وتارةً نواجهها , ثم يأتي مَشهد القطار الذي نُضَمّنه في هروبنا , وكُنا نحن الأشخاص الجميلون الذين عرفوا بعضهم منذ ثلاثة أعوام , وكانت “ ياسمين ” تُحارب الرَجُل بالحَجَر , ثم حََدَثت ثورة ما وانتصرنا بالنشوة وقوفاً في أماكننا , ثم جاء “ مازينجر ” من بعيد يُنبئنا بالخلاص السعيد من كل ما ارتفع عن الأرض لتتساوى كُلها ويصير الأفق واحداً , ففرحنا وبكينا من دموع الفرح , ثم اتخّذنا من الأرض مرتعاً وملعباً إلى أن عَلمنا الحقيقة , أن الأرض لن تُهدَم إلا عندما نُهدَم معها.

-2-
كُنا هنالك في القلعة والحرب قائمة , ثم وَجَدنا أننا ثلاثة أطراف لا اثنين , ثم تورّطنا في المَقتلة فكُنا لا نعلم من الصديق ومن العدو , فكانت ثلاثتنا مَزجاً وحشياً مرعباً , حتى علمنا أننا جميعاً هالكون. وعندما نجونا اتسعت القلعة وزاد الأعداء والأصدقاء , فكان السود والبيض , وكنت أمسك سلاحاً أضرب به فلا يقتل , فالتقطت سلاحاً صاروخياً يقتل فلا أصيب , وكان “ بوتين ” يجري من أمامي , عندما اقتحمت قوات الأمن السوداء تحصين القلعة , وانهالت عليهم الضربات من كل صوب , ولكنّهم دخلوا.

-3-
كنت في الميدان أهرَب مع الهاربين , وأبالغ في الهروب مثل كل مرة , لكنهم لحقوا بي مثل كل مرةٍ , أيضاً.

-4-
كُنت أحبُّكِ من كل قلبي , حتى أخذتيه وأنا كُلي رضا , فأنا الآن بلا قلبٍ أحب به.

السبت، 4 أكتوبر 2014

الكيفيات (3) : كيف يؤثر الحذاء البرتقالي في نظام المُجتمع

اليوم , وفي طريق عودتي من وسط البلد راكباً مترو الأنفاق , راودتني بعض الأفكار. في الحقيقة أن ما ألهمني كان حذاء الرجُل الجالس أمامي , لم يكن شكل الحذاء المُبهر هو سر الإلهام , في الحقيقة أن الحذاء كان عادياً إلى حد السوء , وكان لونه برتقالي ! وكان متسخاً يشبه في وساخته حذائي الإسود الصغير , ولكنني فكرت في حذائي وحذائه معاً , وتطور تفكيري فنظرت لصدنل المرأة الجالسة بجانبه , ثم إلى أحذية الركّاب جميعاً!

عندما نموت , ستموت أحذيتنا , لن تعُد لتمشي في الطرقات مرة أخرى , لن تجتذب الوَسَخ والرمل والحجر , لن تنزلق في الطين أو في البنزين أو على قشور الموز , لن تطير في السماء عندما نركُلها عبثاً عوضاً عن كرة القدم. هذه الأحذية التي تتراص بعضها جنب بعض في عربة المترو , ستحل محلها أحذية أخرى - جديدة - بعد خمسين سنة , ستتهالك في حياتنا ثم ستصبح تراثاً في مماتنا يذهب في أول حملة لتنظيف البيت من كراكيب الزمن.

واتنقلتُ من تلك الأفكار إلى أن استمرار العمل هو ضمان استمرار الحياة على الكوكب , فالحذاء الذي يلبسه هذا الرجل يصنعه شابٌ في الثلاثين من عمره يرتدي سُترة زرقاء من القماش اشتراها من شابٍ صغيرٍ في العتبة ذهب في هذا المساء ليأكُل من مطعم يملكه الحاج خليفة الذي تعمل ابنته في مطابع الشرق , والتي عكفت لإسبوعين على طباعة مجموعة قصصية جديدة لكاتبة موهوبة اشترت لتوّها محمولاً جديداً باعه لها شابٌ في محل بمنطقة طلعت حرب يشرب الآن كوباً من الشاي من مقهى البُستان مع صديقه أحمد في المحل المجاور باع اليوم آخر قطعة من مجموعة البنطلونات الجينز التُركي يرتديها الآن الشابُ الواقف أمامي في وسط العربة ينتظر النزول.

الناسُ دائماً في حاجة إلى الأشياء , أشياء تؤكل وأشياء تُشرب وأشياء تُلبس وأخريات تقضي حاجات مختلفة من حوائج اليوم , كالبنزين يحرقه الناس ليل نهار سعياً إلى الأعمال والبيوت , والشبكة التي تصل رباب المغتربة ابنة عم عبدالرحمن بأهليها في بلاد مصر. والضمانة الوحيدة لاستمرار العالم عندما يوجد عضو جديد في المجتمع , هي أن يوفّر حاجة للمجتمع عليه , ووردتني فكرة هي أن العامل الذي يصنع الحاجات هو أكثر الناس أهمية في تلك السلسلة , أو الزارع الذي يزرع , أو العامل الذي يعمل في المنجم , أو المخترع الذي يؤلف الأشياء بعضها مع بعض فيلبي حاجة ويحل مشكلة بيده , أن عمل اليد هو أهم الأعمال لكونه يوفر الحاجات مباشرةً لبقية أعضاء المجتمع. ولكن ماذا عن  الأعمال الأخرى ؟ هل توفر الأعمال الكتابية الأخرى في الدولة حاجة مباشرة لأعضاء المجتمع ؟ بصيغة أخرى .. هل هذه الأعمال تستحق أن تُبادل المجتمع إنتاجه اليدوي ؟ هل هي مُنتجة بما يعادل الأعمال الأخرى ؟ وما مدى تأثيرها على الإنتاج ككل ؟

وفكّرت أيضاً في حال الكاتب أو الفنّان , هل يوفّر حاجة لبعض أعضاء المجتمع فيُمكن القول وقتها أنه عضو فعّال في عملية الإنتاج ؟ أو أنه يستحق أن يسمي عمله عملاً , يستحق أن يقايض كلمات لسانه بما يؤكل ويُلبس ؟ رأيت وقتها أن الإجابة على كل هذه الأسئلة هي نعم , فالأعمال الحكومية مثلاُ توفر النظام الذي به تستقيم هذه العمليات كلها , والذي بدونه لا يوجد ما يوفر نظاماً دقيقاً لمسارات الحاجات في المجتمع وبالتالي فهو حاجة , بل إنه حاجة ضرورية ضرورة الإنتاج نفسه. أما الكاتب فيوفر لأعضاء المجتمع حاجة روحية , معنوية , لا تُلمس باليد , وبدونه سيعيش المجتمع في جمود , كالآلات التي تتحرك في المصنع في دورتها التي لا تنتهي , الفن حاجة من حاجات الإنسان وعليه فيكون الفنّان عضو مُنتج في المجتمع بدوره , وكذا الاقتصادي , والطبيب النفسي , ورجل القمامة , وكل من له عمل فهو يُحترم بقدر الفوضى التي يمكن أن تتخيلها بدونه , كلمة السر فقط هي أن يوجد للإنسان عملٌ يحبه ويتقنه ويوفر به حاجة بقدرها يتمثل قدره في المجتمع , وعليه فلا معنى لأن يُنتج الكوكب مئات البشر يومياً بدون أن ينمو هؤلاء ويبلغوا مرحلة الشباب ثم يجدوا أماكنهم في المجتمعات , تطويراً وبناءاً وإنتاج , لا معنى إذاً للبطالة التي تُضيع على الدولة فرصة استغلال طاقات الشباب الذين يملأون الشوارع وعربات المترو ومقاهي وسط البلد , الإنتاج لا يعني إلا أن يصبح الإنسان الواحد منتجاً , يوفر حاجة للناس فتوفر له الناس حاجاته , وإذا لم يحدث ذلك , فلا معنى للعيش.

كانت تراودني الأفكار من وقت لآخر , لماذا لا ينتهي العالم ؟ لماذا يستطيع البشر الاستمرار على الأرض لآلاف السنين ؟ ولا ينتهي الطعام ولا الماء ولا أي شئ ؟ من الذي يعكف على نظام الكوكب حتى يستمر الإنتاج مئات السنين ؟ وهل تستطيع الأرض إنتاج الطعام للأبد دون أن تموت هي الأخرى ؟ أسئلة كثيرة تُحيّرني , ولكنّي أجد مخرجاً من كل هذا , وهو أن كل الأشياء تدور في دائرة واحدة حتى تحتفظ بالنظام نفسه , الزرع يخرج ثم يُحصد ثم يُعاد الزرع , والأنهار تقل ثم يملأها المطر , والناس تموت ثم يحل محلهم الناس الآخرون , يزرعون مثلما زرعوا , ويصنعون أكثر مما صنعوا , ويعلمون أكثر مما علموا , في خط دائري ومتكسر ومنحني ومتعرّج ومستقيم ترسمه الظروف والأقدار , ويحفظه الذي يحفظ الكون كله في آيةٍ واحدة : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } صدق الله العظيم.

وأمّا عن أسئلتي الثلاثة السابقة : “ لماذا لا ينتهي الطعام ولا الماء ولا أي شئ ؟ من الذي يعكف على نظام الكوكب حتى يستمر الإنتاج مئات السنين ؟ وهل تستطيع الأرض إنتاج الطعام للأبد دون أن تموت هي الأخرى ؟ ” , فوجدت إجاباتها بين دفّتي المُصحف.

( .وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (الحج:5)

( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى… ) (الأنعام: 95)

( يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )(الروم:19)

 ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراًّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ)  (الزمر:21)

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا… ) (فاطر:27)

( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ) (النحل:10)

( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ) (ق:10)

( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ ) (المؤمنون:20)

( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ) (يوسف:47)

( فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَباًّ * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقاًّ * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباًّ * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَباًّ * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ) (عبس:24-32)

( الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ) (يس: 80)

( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (الرعد:4)

( وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَباًّ مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (الأنعام:99)

هكذا إذاً تسير الأمور , الله يضمن لنا الرزق من الأرض ومن السماء , ويحفظ لنا دورة الأيام والحياة , ثم يأتي الاجتماع والفكر البشري المتراكم وخط التاريخ ليقوموا بدورهم في نظام العالم , وتدور الأرض حول الشمس , وتدور الأرض حول نفسها , وندور نحنُ حول الأرض , حتى إذا اهترئت أحذيتنا بدلناها بأخرى جديدة ; نسيرُ نحنُ , وتستمرُ الحياة.

الخميس، 11 سبتمبر 2014

الكيفيّات (2) : كيف تنتقل من النقطة واحد إلى النقطة اثنين

1- اهرب من الأشياء التي تُنَغِّص عليك أيّامك.

إذا كنت قريباً من مصدر الطاقة السلبية في حياتك , فكيف تتوقع ألّا تتأثر بهذه الطاقة ؟ , أو كيف ستُشِع طاقتك الإيجابية بدون أن تعاكسها الأخرى ويحول الأمر كله إلى الحالة صفر مجدداً ؟

2- ابتعد عن الإحباط والمُحبطين.

للإحباط صور مختلفة , متباينة في تأثيرها , فيُمكن أن يكون الإحباط مصدره حدث أو شخص أو حتى فكرة أو محتوى مقروء أو مسموع أو مرئي , فأمّا الحدث : فتَمَسّك بالأمل وبالظن في القدرة على التغيير مهما حدث , وأمّا الفكرة : فهي من عقلك , أنت الذي تخلقها وتنمّيها أو تلفُظها وتُبَدّلها , تَمَسّك بالأفكار الحسنة وبالروح المتجددة , وأمّا المحتوى : فتجنّب السُخف والجهل والابتذال والركاكة والبذاءة والإباحية والتشاؤم والعُنف والخَبَل والضَعف , اختَر ما تراه عينك وما تسمعه أذنك وما يقرأه لسانك , ترتقي بنفسك بما تُضيف إليها من الجَمال والفائدة والإبداع في كل يوم , وتنأى بها عن الأمراض السابقة , وأمّا الشخص : فهو أحد هؤلاء : يسخر من عملك أو يعامله بما لا ترضى من سوء الإحترام أو إقلال الشأن أو يصرفك عنه بقوله أن هناك ما هو أهم وأعظم مما تفكر فيه أنت أو يجاملك بطريقة فظّة واضحة تنُم عن العكس .. ففي هذه الحالة , إعلم هؤلاء بالتحديد , وتجنّبهم أو اجعل حدودهم معك لا تشمل ما لا يحترمونك فيه.

3- في رحلتك بين النُقطتين , اختر الرفاق المناسبين.

من الرفاق من يؤيد صاحبه ويؤازره ويشجّعه , ومنهم من يحبّط أعماله وينقده ويواجهه بما لا يحب أو ما لا يفيد ويجدي , الأول ينقُد ويدفع إلى الأمام , والآخر ينقُد ويجذب إلى الخلف , اعلم الفروق , وَتَمَهَّل.

4- افعل ما تراه.

ما دُمت اخترت طريقك من البداية , فافعل ما تراه , لا ما يراه الناس , لئلا تفعل مما يراه الناس ما يحرفك عمّا تراه أنت , عن هدفك الأصلي , ويؤخرك خطوات بعدما كنت متقدماً .. فكر بعقلك لا بعقل الصاحب والأهل , خذ النصيحة ولكن لا تأخذ التوصية الكاملة التي لا تتضمن شخصيتك وتأثيرك وإسلوب تفكيرك , ورؤيتك للأهداف.

5- بادر بنفسك , ولا تعتمد على أحدٍ أبداً.

لكي تنجح , عزيزي القارئ , فعليك أن تفكر دائماً إلى الأمام , أن تحسب خطواتك جيداً وتسير فيها بلا دعةً أو خمول أو تأجيل , لا تطلُب العون والمبادرة من أحد , إذا كان من أحد سيتحمّس للمشي في طريقك , فهو أنت! إذا اعتمدت على أحدهم فلا تحزن إذا خذلك أو أخّرك أو ضرّك , عقلك يُفكّر , ويداك تعمل , وقدماك تسعى على الدوام , وقلبك يتوكّل على من قال : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ }.

6- لا تتوقّف عن التَعَلُّم.

العالَم تراكُمي , والعِلم تراكُمي , وتَجارُب الناس تصنع التَقَدُّم والرُقي , في طريقك , لا تتوقف عن التَعَلّم من الآخرين , لا تتوقف عن اكتساب الخبرات , ولا عن القراءة وتطوير الذات وإسلوب التفكير , كل هذا يؤيدك في الحفاظ على المسار الصحيح , الخبرات ستقول لك أن طريقك لا انحراف فيه , والعلم سيقول لك أن طريقك لا ضلال فيه , والتفكير سيقول لك أن طريقك - بإعمال العقل والمنطق - سيصل , والقلب سيمدّك بالنور والإرادة والروح المتجددة المفعمة بالأمل الذي لا تتم من دونه الحياة.

7- لا تفقد الثقة في نفسك , مهما حدث.

إعلم , أيها القارئ الكريم , أن ثقتك في نفسك وفي قدرتك على التغيير من البداية , هي التي دفعتك للإنطلاق في هذا الطريق , وللتفكير - أصلاً - في هذا الطريق , والطريق الذي اخترته ليس ممهداً بالضرورة .. ماذا لو كُنت لِتَشُقُّهُ أنت؟ انظُر كم مِن قبلك شقّوا الطُرُق , هل تيأس مع أول تعب؟ في أول ميل؟ لو كان ذاك .. فلِم العناء من البداية؟ الثقة بالنفس هي الضمانة الأساسية لاستمرارك وتَقَدُّمَك .. بدونها ليس هناك دافع أو حافز واضح لكي تتكبّد أنت مشقّة السير .. ستتكبدّها فرحاً إذا كان هناك في داخلك من يقول : أكمِل! .. سِر! .. هدفك هُناك! .. لا تتوقف عن التقدم حتى بلوغ النُقطة المرحلية , حتى إذا بلغتها تجددت الثقة من تلقاء نفسها , لكي تبدأ بالروح الجديدة - المتجددة دائماً , في المرحلة التالية.

الاثنين، 1 سبتمبر 2014

الكيفيّات (1) : كيف تنتقل من النُقطة صفر إلى النُقطة واحد

الكيفيّات هي الأسئلة المجردة التي تأتي بالكاد في رأس المرء , وهي المعضلات البديهية التي يعبر الإنسان من فوقها كما تعبُر السيّارة الجسر , والجسر قد بُني فوق الماء , ماذا لو لم يكُن ؟ ما عبرت السيارة وما انتقل الناس. الكيفيّات هي الأفكار تضاهي العقل في وقت شتاته وحيرته , وتعصف بالقلب في شدّته وضيقه , فقد يسأل أحدنا ذات يوم : كيف حدث ذلك ؟ , وهو في هذا لا يسأل عن الأسباب المادّية التي آلت إلى الأمر , بل يتخطّاها إلى الأسباب التي لا يراها ولا يراها الناس , ويُفكّر.

التفكير هو العملية التي لا تتوقف أبداً , وإذا توقّفت فهنالك مشكلةٌ يجب أن تُحل , ولكي ُتُحل يجب أن نُفكّر , عاش الناس منذ بداية الخلق إلى الآن يفكّرون في حل مشاكلهم , هل تراهم انتهوا ؟ والله لم ينتهوا , بل , هل توقّفت مشاكلهم عن الانسياب فوق الرؤوس أو داخل القلوب أو على ظهور الطُرُق ؟ لم تفعل.

الإنسان في تقّدم مستمر , ليس الإنسان بمعناه العام , لكنّه أنا وأنت , لازلنا نتعلم ونُخطئ ونصيب ونجرّب ونسأل ونأمل. في أوقات الضياع يسأل كل منا نفسه : كيف سأتقدّم خطوة عما أنا فيه الآن ؟ أأظل ضائعاً أم أبحث عن الطريق ؟ وإذا بحثت هل أهتدي أم أتمادى في الضلال ؟ وإذا ضللت أكثر هل أبتعد أكثرين , في المكان والزمن ؟ الإنسان اثنان : يُحب التجربة ويخاف العاقبة , هذا هو الثمن , إذا مددتُ قدميك خطوة فأنت تقترب أو تبعد , وأنت تفشل أو تنجح , ثم هل إذا فشلت انتهى أمرك ؟ لنسأل السؤال الأخير , انظر حولك , ماذا ترى ؟ إنها محاولات الناس فشلت ألف مرّة , ونجَحَت مرّة.