‏إظهار الرسائل ذات التسميات تدوين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تدوين. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 مارس 2018

تأملات (6) : المرأة وكروت اللعب والدهشة القاتلة


في المجتمع الذكوري، وجود المرأة بيبقى وجود مدهش: وجود مثير للدهشة. مش بس دورها، لكن وجودها الحسي نفسه، ممثلا في ظهورها بشكلها الطبيعي. عشان كدة بيندهش لو شاف أنثى بشعرها، بيندهش لو شاف أنثى في العربيات المختلطة في المترو، لإن وجودها لازم يكون جوة الهامش بتاعها في عربيات السيدات، حيث لا تقتل الدهشة أحد. بيندهش لو شاف بنت قاعدة على القهوة رغم انها بقت بيته التاني. بيندهش لو شاف بنت بتشرب سجاير رغم ان صدره اسود من الدخان. بيندهش لو شاف بنت بتشتم رغم ان لسانه اتوسخ من الشتيمة. بيندهش لو شاف بنت أصلا وبيفضل باصصلها ككائن غريب لابد من التعرف على ملامحه جيدا وتفحص كل شبر من جسمه.

الذكر عشان يتعامل مع الموقف ويحد من الدهشة اللي أنتجها وجود المرأة داخل مجتمعه الذكوري، بيلجأ لإنه يدخل وجود المرأة داخل وجوده الشخصي، وبالتالي على المدى الطويل هيتم الحفاظ على وجود المجتمع الذكوري من الدهشة المميتة. الذكر في ده بيحاول يستغل الوجود الإضافي للمرأة داخل وجوده بتعزيز وجوده ده، كجزء من المجتمع الذكوري، سواء بإظهار القدرة على التحكم فيها، أو باختراق المرأة التابعة لذكر آخر، وبالتالي اختراق وجوده. فهنلاقي إن الأب الذكوري بيفخر ببنته اللي ماشافتش الشارع، والشاب الذكوري بيتباهى عند صحابه بالبنات اللي موقعهم وممشيهم وراه، وهنلاقي على الجانب الآخر أغلب السباب الموجه بين الذكور وبعضهم بيكون بالإتيان على ذكر المرأة وأعضاءها والتحقير من شأنها، اللي بينصرف للتحقير من شأن الذكر نفسه، القابل للاختراق من خلال أعضاء أمه أو شرف اخواته.

المرأة في ظل المجتمع ده بتلجأ لمساحة الاختيار الوحيدة المتاحة لديها، لإن من غير التحكم ده وجودها داخل المجتمع الذكوري معرض لكافة انواع التهديدات، بتواطؤ من كامل المجتمع. المساحة دي بتكون اختيار مين اللي هيتحكم. هتختار الأب اللي عمره ما هيئذي ولا الحبيب اللي هيديها حاجات جديدة مش عند الأب؟ هتختار الظابط ولا المهندس ولا التاجر ولا المحامي المتقدمين لطلب "إيديها"؟ كل واحد ليه فكر مختلف وطريقة تحكم مختلفة. هتختار الإسلامي المتدين الخلوق اللي هتطمئن للدنيا والآخرة وهي معاه ولا هتختار العسكري القوي اللي هيحميها وياخدها تحت دراعه من اللي عاوزين يهددوها أو "يقيدوها"؟ لكن أي تفضيل بيكون تفضيل لقيد على آخر. أي اختيار المرأة بتختاره في المساحة دي بيحدده تكوينها الشخصي، والخروج من مساحة الاختيار دي مابيكونش موجود إلا قليلا.

المرأة بتتربى في المجتمع الذكوري على إنها ظاهرة. ظاهرة متسقة مع طبيعتها المثيرة للدهشة. ولذلك بيكون الاحتفاء بيها داخل المجتمع على سبيل الاحتفال. فهنلاقي فيه اندهاش وبهجة من مشاركة المرأة المصرية في العملية الانتخابية، وفيه عام للمرأة، يتبعه عام لذوي الاحتياجات الخاصة، وفيه احتفاء بنسبة تمثيل المرأة في الحكومة والبرلمان، وفيه تكريم للأمهات المثالية في عيد للأم. مع إن كل الحاجات دي على الناحية الأخرى بيقوم بيها الذكر، الفرق إن وجود الذكر في المجتمع وجود طبيعي، إنما وجود المرأة وجود مثير للدهشة دائما. المرأة بتتربى على إن مالهاش في النهاية غير بيتها وجوزها، على إنها تحب اللي يقولها بعد دهشته انتي ماينفعش تشتغلي انتي تقعدي في بيتك زي الأميرة وماتحمليش هم حاجة. بيتها بيكون هو ده مجتمعها اللي مسموحلها التأثير فيه، وفي المقابل الذكر بيسيبلها المساحة دي إمعانا في التفريق بين الدور الخارجي اللي هو منوط بيه، والدور الداخلي اللي هي تتحمله. عشان كدة بتتحول الأم في مجتمعاتنا لبطلة وليها عيد أم بينما مفيش عيد أب زي ما موجود في بعض المجتمعات، ولا فيه الاحتفاء المبالغ فيه بدور الأم، لإن الأم - زي الأب بالظبط - دورها متقسم عالمجتمع والحياة الشخصية، ومابتتحولش هي نفسها لجزء من الحياة الشخصية لكيان تاني، عشان كدة مش بيكون فيه داعي ملح للاحتفاء بدورها في البيت والتربية ودعم الرجل أينما كان، ولا بيكون فيه داعي للاحتفال (والاندهاش) بتمثيلها في الوظائف السياسية وغير السياسية، لإن لو ليها دور فعلا مش هيطلع الذكر كل شوية يقولها انا مبسوط ان انتي جنبي ومعايا، لإن المجال العام مش مجال للحب والمؤانسة، لكنه مجال للقيام بأدوار ووظائف محددة تتطلبها مصلحة الأفراد في المجتمع. ومن نوادر دور المرأة كما يتصور جزء لا يستهان به من الوعي الجمعي، إعلان كريم عبدالعزيز اللي بيقول فيه اللي يساعد واللي يشيل واللي يعمل، وطبعا الستات هتزغرط. وحسين الجسمي وهو بيقول عن المشاركة في الانتخابات "اللمة دي لمة رجال" اختصر كلام كتير ممكن يتقال. ومن مظاهر الدهشة غبطة حكيم الكبيرة وهو بيقول "الست دي تتشال عالراس" عشان شاركت. ما هي لمة رجال لكن ست؟! أحلى ست دي ولا ايه؟

المجتمع الذكوري بيتربى على إن المرأة جزء منه، بس ماينفعش تبقى جزء مستقل، لإنها لما تكون جزء مستقل هتبقى مستباحة من بقية الذكور الذكوريين اللي هيسعوا دائما للسيطرة عليها، علشان كدة بتنشأ سلطة ذكورية عمومية هي المتحكمة في وضع المرأة ككل، السلطة دي عشان تحمي المرأة (التابعة كفكرة عامة) بتغطيها بطبقات، تحجبها عن دهشة الذكور، وبالتالي عن محاولة السيطرة عليها، وهي طبقات من الوجود اللي الذكر بيتمتع بيه، بتبدأ تتدرج من عدم النزول من البيت، عدم الاندماج في المجتمع، عدم الكلام مع الغرباء، عدم الصوت العالي، عدم الضحك، لبس يغطي كل شئ، لبس يظهر الوجه والكفين، لبس طبيعي، وصول البيت بالليل، الدخول في علاقات، شرب الدخان، إلى آخره. الطبقات دي هي اللي بتحمي المرأة من تصور المجتمع الذكوري عنها، بس هي من الهشاشة بحيث إن أقل حاجة بتصدر منها ممكن تأثر على التصور ده، وتوقعه زي أحجار الدومينو، وتحطم كل طبقاتها الهشة وتعريها في عيون المجتمع. عشان كدة الراجل يلعب بديله. لكن البنت تبقى ماشية على حل شعرها. يعني الراجل بالنسبة له أي حاجة ممكن تتعرف في إطار اللعب، إنما البنت كل همسة بحساب عسير. عشان كدة لما علياء المهدي اتحدت السلطة الذكورية واشتركت في وقفة نسوية عارية في أوروبا أسقطوا جنسيتها، يعني خرجوها من اعتراف المجتمع أصلا. وكذلك لما بدا لحكام المجتمع إن مشروع ليلى بتساهم في انتشار أفكار ممكن تهدد البنية الذكورية للمجتمع (الذكر فوق، الأنثى تحت) وتلخبط المفاهيم دي عند الناس وبالتالي تلفت انتباههم لتكويناتها أصلا، وقفوا حفلاتها في مصر.

وده بيدفعنا للإشارة لمكانة المرأة داخل العقلية الذكورية، ككيان مفعول به، ككيان ضعيف ككيان ناقص "عقل ودين"، وبالتالي ماينفعش المجتمع الذكوري يتشابه معه في أي حاجة. "الواد ده شعره طويل شكله خول"، "مفيش راجل بيعيط"، "انشف خليك راجل". فلما يتم ذم الرجل بيتم ذمه بتشبيهه بالمرأة أو ابتزازه بالتصور ده، بينما لما يتم مدح المرأة بيتم مدحها بالرجل، "ست بس بميت راجل". وعلى مستوى أبعد بيتم تعظيم القوة المادية كشكل من أشكال القوة الذكورية، فلما يتحط العسكري المسلح قدام المدني أبو شعر طويل هيتم احترام العسكري المسلح أكتر من المدني أبو شعر طويل بغض النظر عن اللي جواهم. فعلى المدى البعيد بيتم تقديس القوة في المجتمع أيا كان شكلها، وإسناد الضعف لأي شئ آخر خارج قيم المجتمع الذكوري.

في السياسة زي في المجتمع، بيتم استخدام المرأة يإما لتعزيز قوة الذكر الأول من خلال إظهار تأييده منها أو لاختراق الذكر الآخر باختراق المرأة التابعة له. فمن ناحية هنلاقيها ماشية في القسم الخاص بالسيدات المتشحات بالسواد في المظاهرة ورا الرجالة ضد الانقلاب وبتهتف للنخوة والشريعة والدم. ومن ناحية تانية هنلاقيها هي أكثر المتحمسين لقوة البدلة العسكرية وبتهتف بحب القائد البطل. بس من وجهة نظر منافسيهم هنلاقي انهن في الأول بيتقذفوا بجهاد النكاح على الشاشات، وفي التاني بيتقذفوا بالرقص والدياثة على الإنترنت. وبتبقى هي دي صورتهم في عيون الذكوريين من الطرفين.

أنا تفرعت لأفكار كتير وتقريبا كلامي مكنش مترتب كويس إنما انا عاوز الناس عالأقل اللي بتقول ان عندها مبادئ وأفكار ماتنجرفش لمستنقع تحقير المرأة المتبادل حاليا واستخدام صورتها لتشويه الخصوم، لإن بتفكير بسيط وطبقا للمنطق الذكوري المذكور لو عممناه محدش هينجو منه، وهيقولك زعلان من البنات اللي بترقص قدام اللجان، طب وريني كدة البنات اللي بترقص في الحفلات، بغض النظر ان الأولانيين بيتم استغلالهم استغلال مش نضيف وسمعت ان بيتم دفعهم لنقل الصورة دي، وده بيكرس وضع المرأة في المجتمع كظاهرة وككارت محطوط عالترابيزة للي يعرف يزايد عالتاني، طبعا ده على المستوى السياسي، على المستوى الاجتماعي بقى ياريت نراجع تصوراتنا وماننجرفش برضو لتأطير المرأة في جزءها الصغير من اللوحة الذكورية الكئيبة، ونكف عن تقاليد عيد الأم وعيد المرأة وتعالي يا أستاذة هقوملك عشان ماتقفيش وسط الناس وانا الراجل وانتي مسؤولة مني وتعالي عالحرف عشان انتي محمية طبيعية وروحي اركبي عربية الحريم وغطي شعرك وبتعرفي تطبخي ولا لأ وكل الكلام الفاسد ده. ماينفعش نبقى بننزل الشارع كل يوم وبنشوف ونسمع نفس المظاهر ومانطورش أي آلية لفهمها ونفضل بس نرمي انتقاداتنا وأحكامنا وأحيانا شتايمنا وتناقضات مبادئنا على الناس يمين وشمال. أفكارنا ومواقفنا هي اللي هتصنع شكل المجتمع اللي جاي، فياريت نخليه أحسن وأعدل شوية بالأفعال وبالاحترام الحقيقي للكل وبالعدالة مع الجميع كإننا من جنس واحد ونبطل كلام فارغ، أكيد وقتها الدنيا هتبقى أكثر احتمالاً.

السبت، 17 مارس 2018

الكيفيات (8) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (3) : في التكثيف والفناء



في الفضاء الهندسي، إذا أردنا تعيين نقطةٍ ما، فإننا نقوم بتعريف قيمها في المستويات الثلاثة التي تشكل الفضاء، أي أنه لكي نقوم بتعريف نقطةٍ ما، فينبغي علينا تعريف ثلاثة قيم تمثل كل قيمة منهم موقعها في أحد هذه المستويات. وإذا أحلنا هذا الأمر إلى الفضاء الإنساني، فقد تتعدد المستويات التي يمكن من خلالها تعريف الناس، بتعريف مواقعهم منها. وإذا كنا قد افترضنا ارتسام الخطوط التي تجمع بعض النقاط من الناس، فإننا لم نفسر لماذا قد تجمع الناس طرقاً بدون أن تجمعهم قلوب، ولماذا قد يحقق الإنسان حل الوحدة بالتغيير ولا يخرج منها، وهذا الطرح هو محاولة للاقتراب.

فنقول إن هذا الخط الذي افترضناه سلفاً سيتشكل بتعيين النقاط التي من مواضيعها هذا الموضوع (الدراسة، العمل، الصداقة، العائلة، الثقافة، السياسة، الفكرة، الفن،...). ولكننا نجد زملاء في الدراسة أو في العمل، وأبناء للأسرة وللعائلة، وأصدقاء في المجموعة وشركاء في الأفكار، تتباين الدرجات بينهم تفضيلاً أو عزوفاً أو بينهما، وقد تصل بالطبع إلى العزوف التام، وبالتالي لن يجمع بين أصحابه (إذا استثنينا الظروف الأخرى) سوى الوحدة. وهنا تعود المشكلة مجدداً.

لماذا نفضل بعض الأصدقاء دون غيرهم؟ نحبهم؟ نعم، ولكن في هذا السياق بالذات، كيف نقوم بتعريف الحب؟ نعود إلى التصور الهندسي من جديد لكي نتمثل المسألة. فإذا كان لدينا خطاً يتكون من عدة نقاط، فكيف تكون العلاقة بين هذه النقاط غير علاقة متوالية؟ أي أنه لا يمكن استكمال هذا التصور بغير معرفة أن هذه النقاط توالي بعضها بعضاً، وبالتالي فبالنسبة لنقطة ما، تختلف المسافات بينها وبين النقاط الأخرى بقدر عددهم، وهنا تُحل المسألة. فهذا الخط الحُر في الفضاء الإنساني المُفترض، يجمع عدد من النقاط عرّفتها قيمها في المستويات الافتراضية المذكورة سلفاً. وبالتالي فكلما اقتربنا من هذه النقطة، نقترب أيضاً من القيم التي تمثلها، وكلما ابتعدنا عنها كذلك، نبتعد عن القيم التي تمثلها. ولذلك يكون من نحكم عليهم بالقرب من قلوبنا، مشتركين معنا في مستويات من التفاهم والتواصل (والتعارف) بكثافة أكبر مما هي مع الآخرين. وكلما زاد هذا الاشتراك، أي كلما قصرت المسافة، أي كلما اقتربت القيم بين النقطتين، كلما تبددت وحدة كل منهما، حتى تنعدم إذا كادا يتلامسان، فيصبحان مرآة لبعضهما البعض، وهنا يحدث ما يقول عنه درويش "ولستُ أنا مَنْ أنا الآن .. إلاَّ إذا التقتِ الاثنتان ِ : أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ .. يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ .. ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا .. عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ .. لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ" (محمود درويش، لاعب النرد). فقد قرن الشاعر بين الذاتين (إذا التقت الاثنتان)، التي لا تتعرف إحداهما إلا بهما، لكي يحل السماوي في الجسدي، وهو الحب. وسنجد كذلك أن هناك حباً صوفياً يتجاوز معاني القرب إلى ما دونها، فيقول الحلاج "عَجِبْتُ منكَ ومنّي .. يا مُنيَةَ المُتمَنّي .. أدنَيْتَني منكَ حتى .. ظَنَنْتُ أنَّك أنّي" (الحسين بن منصور الحلاج).

وبالتالي يصبح الحب هو رؤية الذات (جزئياً أو كلياً) في المحبوب "والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسي .. ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي .. ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحاً إلا وأنت بقلبي بين وسواسي .. ولا هممت بشرب الماء من عطشٍ إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكاسِ" (الحسين بن منصور الحلاج)، واعتباره بالتالي جزءاً منها، فهي لا يكتمل وجودها (إلا إذا التقت الاثنتان)، ولذلك يصف البعض انفصال المحبوب كانفصال القلب أو الروح "وتذهبُ بالأشواقِ أرواحنا منا" (مدين بن الغوث). ثم تتوحد الذات مع الآخر "لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ .. فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ .. وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ .. وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ" (محيي الدين بن عربي، أدين بدين الحب)، فهو لم يعد يراه ولا يعرفه إلا من خلاله. وبأخذنا هذه الأشكال الكثيفة من الحب والائتناس، إنما نسوق الدليل على قيامه بمدى الاقتراب من الذات من حيث هي، أي مما تُعرّف هي به.

وبالتالي، عودةً إلى ما سألنا سابقاً، يتوقف ائتناس أحد الناس بوجود من يرى فيه صوراً من نفسه عن قرب، قال تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189]، وذلك يعني أن النفوس قريبة من البداية، وأنها تسكن إلى بعضها - بالمعنى الجنسي والإنساني أيضاً - عندما تكون "منها" ، وهذا جواب السؤال الأول. وأما جواب السؤال الثاني، فإن الإنسان الذي تسير حياته مساراً جيداً بلا رفقة، إنما لم يجد بعد من يرى فيه نفسه، قريباً أو صديقاً أو رفيقاً أو مُحباً.

"خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
وطني.
هل تحسّ العصافير أنّي
لها
وطن ... أو سفر ؟
إنّني أنتظر ...
في خريف الغصون القصير
أو ربيع الجذور الطويل
زمني.
هل تحسّ الغزالة أنّي
لها
جسد ... أو ثمر ؟
إنّني أنتظر ...
في المساء الذي يتنزّه بين العيون
أزرقا ، أخضرا ، أو ذهب
بدني
هل يحسّ المحبّون أنّي
لهم
شرفة ... أو قمر ؟
إنّني أنتظر ...
في الجفاف الذي يكسر الريح
هل يعرف الفقراء
أنّني
منبع الريح ؟ هل يشعرون بأنّي
لهم
خنجر ... أو مطر ؟
أنّني أنتظر ...
خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
كان يهملني من أحب
و لكنّني
لن أودّع أغصاني الضائعة
في رخام الشجر
إنّني أنتظر ..."
(محمود درويش، هكذا قالت الشجرة المُهمَلة)

الثلاثاء، 13 مارس 2018

الكيفيات (7) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (2) : في التشتيت واللقاء



يمكن أن تتواجد مواضيع يتحرك فيها الإنسان لكنه يشعر بالوحدة، كطفل لا يجد من يشاركه اهتمامه بمتابعة رياضة ما، أو كمراهق انخرط في متاهات الحاسب الآلي ولا يجد من يرافقه، أو كشاب يقضي أيامه ولياليه في الأفلام والمسلسلات وحيدا حتى مل، وهنا لا تكون النقطة بعيدة عن بقية النقاط في خطها بقدر ما تلتزم حركة أكبر لحصول الوصول، ويتطلب ذلك أن تتحول النقطة من محطة استقبال فقط إلى محطة استقبال وإرسال، وحيث أنه لكل فعل رد فعل حسب قانون نيوتن الثالث، فطالما وجدت رسالة سيوجد المرسل إليه، حتى لو لم يظهر لسبب ما. ولكن ذلك مرهون بمحتوى الرسالة كذلك.

 وقد يوجد اجتماع في العمل والأسرة أو التنظيم ولا توجد جماعية، كأن يكون العمل منفرا فلا يمكن أن يصبح موضوعا مجمعا، وهنا قد يتنافر العمال أو يمدون طرقا جديدة للتواصل على أراض مشتركة بينهم، كالكلام في الحياة، وإذا ثبتت الأخيرة عند أحدهم فلا مفر من وحدته بينهم، وكذلك اذا توقفت اختلافات وتغيرات الحياة في الأسرة عند أحد أعضائها فلم يعد هناك ما يتحدث فيه، أو إذا ركد التنظيم على افراده وتوقفت مياه الإبداع فيه عن السريان، أو إذا ظنوا أن السياسة أغلقت في وجوههم فلم يعد هناك سوى إعادة إنتاج الشكوى من الواقع الراسخ، فلا مفر من انفضاض الجمع.

 وإذا استقر أمر الإنسان في وحدته فسيذهب هذا به إلى الهلاك أو المرض أو الجنون أو التعايش أو الإبداع في حالات قليلة. ويتمثل الهلاك في الإقدام على الانتحار، والمرض في الاكتئاب والأمراض النفسية، والجنون في النسخة الأقسى من هذه الأمراض والتي يمكن تمثلها في الشوارع فيمن نسميهم "المجذوبين" الذين غرقوا في وحدتهم. والتعايش سنتطرق له لاحقا .وفي الحالة الأخيرة يمكن أن يحول المبدع وحدته إلى تعبير صارخ، وإثبات للوجود في وجه العالم، كحيلة للخروج من الوحدة بالدخول في الجميع من أبواب سرية، فلا تكون الوحدة وقتئذ بالنسبة للمبدع واطئة أو حتى محسوسة، فقد أتاحت له فرصته التوحد مع كثير، ولو على مستوى آخر غير مرئي، لكنه يستطيع التقاطه.

 وبعد ظهور الإنترنت في نسخه الاجتماعية، أصبح من الممكن دائما وجود موضوع، ولو بشكل افتراضي. أصبحت المواضيع شبه مفتوحة للانخراط فيها، وأصبحت الرسائل عامة في إنتاجها وإعادة إنتاجها حتى تستنفذ وتستبدل برسائل جديدة حسب السائد والمنتشر. حتى أن الذوات نفسها تحولت إلى مواد للتموضع، وأصبحت هذه الديناميكية ضامنة لتكذيب أثر الوحدة الحقيقة بجماعية مصطنعة اصطناعا، ومتحولة إلى ملجأ شبه دائم لكل الهاربين من أثرها المر، إلى السكر بنبيذ الشتات الأكثر مرارة، لتتحول حياتهم إلى وحدة في الواقع، وشتات في المفترض.

 وإذا كنا اتفقنا أن التغيير لازم لنقض الوحدة، فينبغي القول بأن التغيير ينبني على ثلاثة معارف: معرفة حاضرة، بالموضع الذي نحن فيه، ومعرفة ماضية، بالموضع الذي أتينا منه، ومعرفة مستقبلية، بالمواضع الافتراضية التي يحتمل أن نذهب إليها، وثلاثتهم في العقل: فالأولى محلها التفكير، والثانية محلها الذاكرة، والثالثة محلها الخيال، وبغياب أحدهم تغيب القدرة على التغيير الواعي لموضع أفضل، فلا يمكن القفز من الماضي إلى المستقبل بلا علم على أي أرض نقف، أو بلا آلية للعمل الحاضر أصلا، ولا يمكن التحرك خطوة بلا معرفة بالخطوات التي أدت بنا إلى هنا، ولا يمكن التحرك أصلا إذا توقف العقل عند الحاضر وإتمامه بلا أي أفق لتجاوزه.

وإذا كان التفكير (كآلية عقلية) لا يحتاج أمثلة للدلالة على أهميته في القيام بالفعل - أي فعل - والذي يؤدي إلى التغيير - أي تغيير. فكلا من الذاكرة والخيال يحتاج. وفي تمثيل دور الذاكرة في التحرك الإنساني، يقول فؤاد حداد "أقولك الحق واضرب لك مثل ساير .. وان كنت ماعرفشي لا اخبي ولا اساير .. من صغر سني وأنا صاحب مزاج ثاير .. واكمني ثاير لا يمكن يا ألف بائي .. تلاقي زيي على عهدك أليف باقي .. واكمني ثاير بقول من فات قديمه تاه .. لابد للحي يترحم على موتاه .. واللي أتى بالجديد لولا القديم ما أتاه .. يا أمَّتاه أنا ابنك عالأثر ساير" (فؤاد حداد، ديوان المسحراتي)

وفي تمثيل دور الخيال، فإذا كنا استددلنا سابقا بالآية {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] فنعود هنا ونشير إلى الطبيعة التغيرية للنفس كما وردت في القرآن، فيقول تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، ويقول في موضع آخر {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [التوبة:118]. أي أن النفس تضيق وتتسع. وفي الآية الأخيرة ارتبط الضيق {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بالتخليف، أي الترك، فارتبط الضيق بالوحدة. وقال الشاعر "لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا .. ولكنَّ أَحلامَ الرِّجالِ تَضيقُ" (عمرو بن الأهتم المنقري). فآل ضيق البلاد بأهلها (كما ضاقت الأرض بما رحبت) إلى ضيق أحلام الرجال، أي خيالهم، الذي هو أحد محركات التغيير، والخروج من ضيق الوحدة إلى رحابة الجماعية.

ينبغي البحث عن هذه المحركات الثلاثة (الذاكرة، التفكير، الخيال) الدافعة للتغيير الذاتي - الذي يؤدي بالضرورة للتغيير الجماعي، والتحول من وحدة الإنسان إلى جماعية الإنسان/وحدة المجتمع.

وإذا توفرت المحركات الثلاثة، ووجدت المواضيع، ولم توجد الذوات المناظرة، فسيؤدي ذلك إما للبحث عنها، أو للارتداد داخل تصور موازي للعالم كقطب آخر مناظرا للذات كقطب أول، وتحدد العلاقة بين القطبين شكل الحياة، فيكون العالم فاسدا أو عبثيا أو مجنونا أو جميلا أو ظالما أو منسجما أو خاطئا أو متشكلا بتصور معين (قد يتغير) للفرد عنه، وعلى النظير يكون الفرد إما متماهيا أو مسالما أو ساخطا أو ساخرا أو محبا أو كارها أو لا مباليا أو غاضبا أو متحديا في حالات قد تتغير باستمرار أو قد تثبت. تمثل أشكال الحياة سابقا الذكر التعايش كنتيجة محتملة لوحدة الإنسان. لكن كما يظهر، فإن النتائج الخمسة المحتملة (الهلاك، المرض، الجنون، التعايش، الإبداع) متداخلة وغير واضحة الحدود. فيمكن اجتماعها جزئيا كما اجتمع المرض والتعايش في جوناثان نويل بطل رواية الحمامة للأديب الألماني باتريك زوسكيند، أو حتى كليا كما نرى في حياة الشاعر الألماني فريدريك هولدرلن مثالا (ستيفان سفايغ، بناة العالم 1). والوحدة في هذه الحالات متوازية إذا توفرت المحركات كما في حالة الشاعر وإذا لم تتوفر كما في حالة البطل.

لكن بما أننا وصلنا لأن توافرها لازما، فينبغي تصفية الجوانب السلبية للارتداد. فأما الهلاك، فلكي نقاومه، وهو الموت حتى إذا لم يكن جسديا، سنضع أمامه الحياة، والحياة لا يتم دفعها إلا بالحب - في معناه المطلق. وأما المرض، فتكون مقاومته بالصحة، كما يمكن تمثلها بالرياضة والممارسات الصحية. وأما الجنون (وهو عدم السيطرة على العقل أو التصرف بدون وعي) فتكون مقاومته ابتداءاً بالتعقل والتحكم إزاء مختلف تجارب الوعي والعمل على توسيعه ليشمل المزيد من الظواهر خارج الإنسان وداخله.

لنحاول استعادة ذاكرتنا، تصحيح تفكيرنا، إنارة خيالنا، إحياء الحب في قلوبنا، الاهتمام بأجسادنا، والوعي بأحوالنا، فلا تضيق بنا الأرض بما رحبت، ولا تضيق علينا أنفسنا.

تَضِيقُ بِنَا الدُّنْيَا إِذَا غِبْتُمُ عَنَّا * وَتَذْهَبُ بِالأَشْوَاقِ أَرْوَاحُنَا مِنَّا
فَبُعْدُكُمُِ مَوْتٌ وَقُرْبُكُمُ حَيَا * فَإِنْ غِبْتُمُ عَنَّا وَلَوْ نَفَساً مُتْنَا
نَمُوتُ بِبُعْدِكُمُ وَنَحْيَا بِقُرْبِكُمْ * وَإِنْ جَاءَنَا عَنْكمْ بَشِيرُ اللِّقَا عِشْنَا
وَنَحْيَا بِذِكْرِكُمُ إِذَا لَمْ نَرَاكُمُ * أَلاَ إِنَّ تِذْكَارَ الأَحِبَّةِ يُنْعِشْنَا
(أبو مدين الغوث)

الكيفيات (6) : كيف كانت الوحدة من الداخل؟ (1) : في التفكيك والبناء



لم يخلق الله أي شئٍ وحيد. إذا تأملت الإنسان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1]، الحيوان {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [هود:40]، النبات {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد:3]، الجبال، وحتى الكواكب والنجوم والمجرات، رجوعا إلى الإلكترونات والذرات {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات:49]. لن تجد تقريبا شئ إلا وله نظير ومكافئ. ربما يفسر ذلك التأكيد في قوله: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، ونفي النفي في قوله: {لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، أي مكافئ. 

فهذه هي الطبيعة الجماعية (الاثنينية) لكل موجود. وإذا كان بني آدم هو المفضل على كثير من خلق الله فينبغي بالضرورة أن يظهر الفضل فيه في جميع أجزاؤه: العقل، الروح، الجسد، ففضل العقل في التصور والقدرة والإرادة، وفضل الجسد في أحسن تقويم، وفضل الروح فيم أشار إليه حديث النبي: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)) (رواه البخاري ومسلم وغيرهما)، وفيها نجد القيمة الجماعية للإنسان، في روحه التي تأتلف مع نظائرها التي تتعارفها - ولنرجع هذا اللفظ إلى معناه القرآني في الآية {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:13]، وهو يعني التواصل مع الآخر سواء الآخر الجنسي "ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ .. إذا التقتِ الاثنتان ِ : أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ" (محمود درويش، قصيدة لاعب النرد)، أو الآخر الإنساني. ونعود فنقول، أن هذه الجماعية (الاثنينية) جزء لا يتجزأ من الإنسان، فلا يستقيم أن يعيش الإنسان وحيداً. 

وجماعية الإنسان (أو عدم وحدته) مشروطة كما ورد بالتعارف: التواصل، والتواصل يعني الوصول المتعدد، والوصول يتطلب نقطتين بينهما طريقا، أي أن شرط التعارف وجود طريق بين الإنسان وبين كل الذين يأتلف معهم، فتكون الوحدة بالتالي هي انقطاع هذه الطرق. 

ومعنى وجود نقطتين بينهما خط أن كلتاهما تقع على هذا الخط، الذي ربما تقف عليه نقاط أخرى. كلتاهما تنتمي إلى هذا الخط. وإذا كان الأمر كذلك، فالنقطة الواحدة أيضا شريكة في خطوط كثيرة، مع نقاط أكثر عليها. وحتى لا تأخذنا هذه الصورة أبعد مما نريد، نعود فنقول أن الخط هو موضوع النقاط، والنقطة هي ذات الخطوط. وبالتالي أصبح الموضوع يتكون من ذوات كثيرة، لولاها لما وجد. فكيف نتحدث عن مشترك بين لا شئ؟ 

إذن، فلكي تقر جماعية الإنسان، وتدحض وحدته، ينبغي أن يكون مشتركا مع نظرائه في مواضيع تمثل لقاءهم وتواصلهم. فالمحبين موضوعهم الحياة المشتركة، والدارسين موضوعهم العلم، والمتفقهين موضوعهم الدين، والمثقفين موضوعهم الثقافة، والمتسيسين موضوعهم السياسة، والأهل موضوعهم البيت والمستقبل، والعاملين موضوعهم العمل، والأصدقاء موضوعهم الحياة الحاضرة والآتية، وتتعدد وتتجذر الموضوعات بين الإنسان ونظرائه المتختلفين، وحتى لو أصبحت هذه المواضيع هي حياتهم نفسها (في حالة الأهل والأصدقاء والعشاق).

وطالما كنا نتحدث عن الوصول بين نقطتين، فهذا يعني أننا نتحدث عن تحرك متخيل لهما (بينهما)، وإذا كنا نتحدث عن الحركة فيقول قانون نيوتن الأول للحركة: "الجسم الساكن يبقى ساكناً والجسم المتحرك يبقى متحركاً مالم تؤثر عليه قوة ما". وهذه القوة يمكن إحالتها للتغير. أي أن كل من النقطتين تتطلب تغيرا ما يدفعها لإعادة الوصول (التدفق) من جديد. وإذا لم يحدث ذلك؟ ستظل كلا النقطتين ساكنتين وسينقطع التواصل وسينفض الطريق. 

وذلك يعني مبدأيا أن كل نقطة ينبغي أن تكون في تغير باستمرار حتى تحافظ على الخطوط الموصولة بينها وبين النقاط الأخرى، وما لم يحدث ذلك تسكن وتنقطع صلاتها وتتوحد حتى تختفي من الوجود (بالنسبة لبقية النقاط) وتظل على ذلك ما لم يحدث تغير وتعيد الارتباط في خطوط جديدة مع النقاط المناظرة مرة أخرى. 

ونتيجة ذلك أن حل الوحدة يبدأ من التغيير الذاتي المستمر. فإذا لم يكن هناك تغييرا في حياة أسرة البيت سيشعر الفرد بالوحدة في الأسرة، وإذا لم يجد جديد عند الأصدقاء سيشعر الفرد بالوحدة بينهم، وإذا سكنت حياة المحبين لن تبقى أجنحة الحب معلقة في الهواء "كل شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه" (ابن عربي، رسالة ما لا يُعَوَّل عليه)، وإذا نضب خيال السياسيين لن تظل المسيرة مجتمعة، وإذا ظلت الأرض تجذب الساكنين لن تظل البلاد متسعة {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، فجماعية الفرد (نقض وحدته) تنتج من تغيره المستمر، وتؤدي إلى وحدة المجتمع، لأنه أصبح بها فقط "مجتمعاً". ولا يوجد مجتمع ولا إنسانية من أناسٍ وحيدين.

الخميس، 28 سبتمبر 2017

الكيفيات (5) : كيف أصبح للصمت صوت؟

ربما جاءت اللحظة التي لا مفر فيها من الكتابة. اللحظة التي كلما واتتني قذفتها بعيدا. ككرة يستفزني كمالها كلما نظرتها من قريب، فدفعت قدمي صوبها منتصرا. والآن قد صرنا - أنا وهي معا - في مواجهة الحائط، فلن يطير أحدنا. كم وددت لو أنني أستطيع رفع ذراعي وتحريكهما فيرتفع جسدي عن كل مكان.

لكن متى كانت الأساطير في مدى أذرعنا؟ لا أستطيع إلا أن أمشي، كما أمشي كل يوم، لأخوض ذات الأحاديث، وأحل ذات الخلافات، وأقابل ذات الأشخاص. لا مجال للمراوغة في الحياة، ولكن ذلك ليس بموضوعنا، إن كان لنا موضوع.

والأكيد أن لنا ذات، ولن نذهب بعيدا للبحث عن مكونات هذه الذات كما ذهب الفلاسفة وعلماء النفس، ولا للبحث عن الذات نفسها كما فعل السادات، ولكن لتأكيد وجودها ربما مع عدم وجود أي شئ آخر ذي ثقل في حياتي، على الأقل إلى هذه اللحظة.

وربما تكون هذه هي المشكلة، عدم وجود الموضوع. وجود ملهيات دائمة التداخل والتلون، حالما تختفي تطغى رنة الصمت في الأذن، فالصمت - في النهاية - أصبح له صوت، كما أصبح للعدم شكلا وأشكالا.

أشعر أنني اقف هكذا، مفاخرا بنفسي، رافعا رأسي، متربعا على قمة الفشل. ألوح لكم، فلوحوا لي، وامضوا في طرقاتكم، وأفسحوا المجال للملوحين الجدد، فلا وقت لدي لاعتياد الأشكال وحفظها، فذاكرتي ممتلئة بحفظ قصتي، قصة صعودي الغريب على جبل اللاشئ، مديرا ظهري للناس والحجارة، ناظرا للشمس كي أرى. أي حمق أنا فيه؟

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

شومانيزم (6) : التدوين

بدأت تدوين يوم 11 ديسمبر 2012. في مدونتي الأولى لوغاريتمات، ثم أنها كانت مدونة سوداء الخلفية صفراء الكلام، وكنت أنازع نفسي فيها ولا أبصر منفذاً للسعادة إلا قليلاً، وقد اعتبرت ذلك، وجاء يوم قالت لي زميلة اسمها داليا أن الخلفية والخط الأصفر الصغير يصعبان القراءة ويجلعان القارئ يتألم ألماً جديداً في عينه بعد ألم الأحزان. فلم أكذب خبراً ورحت أنشئ مدونتي الثانية: لوغاريتمات (النسخة السعيدة :D) وكانت سعيدة فعلاً، فعندما أنظر إليها وإلى سابقتها الآن أتعجب كيف خرجت هذه من تلك كما يُخرج الحي من الميت. ولكن مدونتي الأولى لم تكن ميتة ولكني كنت أنا الميت من قبل ميلادي في 2011-2012، وكانت اللوغاريتمات 1 هي المولود الذي لم يرى شئ بعد، حتى إذا فتح عينه أنارت الدنيا من حوله من جديد، هكذا التففنا حول المجاز لا هو خرب ولا نحن خسرنا. هذه النسخة السعيدة بدأت بأول تدوينة يوم 21 أكتوبر 2013، ثم استمرت الكتابة تارة هنا وتارة هناك حتى توقفت الأمور لحظة.

وفي صيف عام 2014 أردت عمل مدونة لي على موقع Tumblr، فعملتها وأسميتها كيفيات. وكتبت فيها ما جال بخاطري من وقتها حتى يوليو 2015، عندما فقدت إمكانية الدخول والكتابة.



وظللت هكذا بلا مدونة لعامين - إلا عودة للسواد تشبه محاولة ميلاد جديد - هم ذات العامين اللذين انتظرت فيهما سماح الأوضاع لي ببعض الوقت أعيد فيه ترتيب نفسي وأفسح مكاناً لنَفَسي الذي أتنفسه فيما أقول. وها أنا ذا.

الأحد، 12 يوليو 2015

الكيفيات (4) : كيف أخَذَت الهزائم أشكال الإنتصارات

-1-
كُنا هُنالك على السطح , نهرب من اللعنة التي تلاحقنا , وتارةً نواجهها , ثم يأتي مَشهد القطار الذي نُضَمّنه في هروبنا , وكُنا نحن الأشخاص الجميلون الذين عرفوا بعضهم منذ ثلاثة أعوام , وكانت “ ياسمين ” تُحارب الرَجُل بالحَجَر , ثم حََدَثت ثورة ما وانتصرنا بالنشوة وقوفاً في أماكننا , ثم جاء “ مازينجر ” من بعيد يُنبئنا بالخلاص السعيد من كل ما ارتفع عن الأرض لتتساوى كُلها ويصير الأفق واحداً , ففرحنا وبكينا من دموع الفرح , ثم اتخّذنا من الأرض مرتعاً وملعباً إلى أن عَلمنا الحقيقة , أن الأرض لن تُهدَم إلا عندما نُهدَم معها.

-2-
كُنا هنالك في القلعة والحرب قائمة , ثم وَجَدنا أننا ثلاثة أطراف لا اثنين , ثم تورّطنا في المَقتلة فكُنا لا نعلم من الصديق ومن العدو , فكانت ثلاثتنا مَزجاً وحشياً مرعباً , حتى علمنا أننا جميعاً هالكون. وعندما نجونا اتسعت القلعة وزاد الأعداء والأصدقاء , فكان السود والبيض , وكنت أمسك سلاحاً أضرب به فلا يقتل , فالتقطت سلاحاً صاروخياً يقتل فلا أصيب , وكان “ بوتين ” يجري من أمامي , عندما اقتحمت قوات الأمن السوداء تحصين القلعة , وانهالت عليهم الضربات من كل صوب , ولكنّهم دخلوا.

-3-
كنت في الميدان أهرَب مع الهاربين , وأبالغ في الهروب مثل كل مرة , لكنهم لحقوا بي مثل كل مرةٍ , أيضاً.

-4-
كُنت أحبُّكِ من كل قلبي , حتى أخذتيه وأنا كُلي رضا , فأنا الآن بلا قلبٍ أحب به.

الأربعاء، 29 أبريل 2015

لا تراجع ولا استسلام (1) : الطريق إلى زايد



لفترة مش قليلة , فضلت أفكر انا المفروض اكتب الكلام ده على الفيس بوك القديم ولا الفيس بوك الجديد ومين المفروض يشوفها , وعشان اريح نفسي من الحيرة دي , فانا هكتب هنا.

وانا في إعدادي هندسة كنت بتأخر دايماً على اتوبيس الصبح في رمسيس , بس كنت بلحقه كتير الحمدلله , المهم مرة وانا رايح اركب الاتوبيس كان بيتحرك خلاص , مشيت بسرعة وهو بيتحرك اكتر , جريت وهو كان بيجري وكإنه ما صدّق , فضلت اجري وراه وانا عندي أمل إني اوصلّه وبصبر نفسي بإن الطريق لازم يكون زحمة الصبح في شارع من الشوارع فانا هوصل وهلحق , جريت ورا الاتوبيس كتير لحد ما اختفى من ناظري بعد ما خرج من الاسعاف وانطلق ناحية 15 مايو , كان ممكن ارجع ساعتها رمسيس واركب ميكروباص , بس انا ماستسلمتش وفضلت ماشي في نفس التراك بتاع الاتوبيس وانا لسة عندي الأمل إني هقابله في زحمة من بتوع الصبح اللي اختفوا فجأة يومها , فضلت ماشي لحد ما عديت سور نادي الزمالك ومشيت لحد ما وصلت ميدان لبنان ودخلت في الطريق السريع وانا لسة على نفس مبدأي إنه لا رجوع مهما حصل.

أنا جه على دماغي اكتب كدة دلوقتي بالذات مع ان الموقف في دماغي على طول ؟ معرفش , كلمة سباق الزمان اللي اخترتها عبثاً وانا بسمّي ديواني الأول حاسسها أوي دلوقتي وانا شايف نفسي بسابق حاجة اسرع مني , أنا كتبت كدة يمكن عشان انا محتاج الروح دي , الروح اللي تخلي معايا الأمل والعزيمة طول الطريق , الروح اللي تخليني ماستسلمش للفكرة السلبية ولا افكر في الطريق من بدايته ولا حتى أخطائي وخطواتي اللي اتعثرت وتقلت , عايز اركز أوي على الهدف ومافكرش في اني مقدرش مهما بان ان الطريق طويل أو إن التعب مش هييجي بالفايدة.

الفكرة دي كان ممكن تجيلي في أي لحظة في طريقي ورا الاتوبيس , وساعتها كانت هتحصل حاجة من اتنين , يأما استسلم للحظ العثر - مشّيها حظ عثر - واروّح بيتي , يأما ارجع رمسيس واركب , وفي الحالتين مكنتش هلحق المحاضرة الأولى , بس في حالتي السابق ذكرها كان ممكن الحق , لما وصلت الكلية وصلت متأخر وجبت شاي ووقفت اشربه بكل انتشاء , لإني حسيت اني عملت اللي عليّا بس ماتوفّقتش , وكفاني أوي ساعتها اني كسبت شرف المحاولة.

الخميس، 23 أبريل 2015

صورة



في ظُهر يوم الخميس الثالث والعشرين من أبريل عام 2015 , أرسل لي صديقي محمود خلف صورتي التي التقطتها لي زميلتي القديمة سلمى في حرم كلية الهندسة بمدينة الشيخ زايد عام 2012 , ثم انهالت علَيّ كما لم تنهال من قبل الكلمات المملوءات صدقاً وحرارة حتى أنني لم أعلم كيف أتصرف. لأول مرة ربما أجد نفسي تائهاً وسط بحر الكلام وحيداً , بل غارقاً فيه إلى عيني حتى كِدت ألّا أرى ولا أميز ما أقرأ ولا أفهمه لأنني أشعر به وحسب. يقول :

“ولَمْ يُبقِ منها الدهرُ غيرَ حُشاشةٍ،
كأنّ خفاها، في صدور النُّهى، كَتْمُ

فإن ذكرتْ في الحيّ أصبحَ أهلُهُ
نشاوَى، ولاعارٌ عليهم، ولا إثمُ

ومِن بينِ أحشاء الدّنانِ تصاعدتْ،
وَ لَمْ يبقَ منها، في الحقيقة، إلّا اسمُ “

فأؤخذ من وقع الكلام على رأسي لأنني أرى هذه التي لم يبقَ منها إلا اسم , وهي روحي الغائبة عنّي منذ شهور طويلة , أطول مما اعتَقَدْت أنتَ الآن يامن تقرأ.

ربما لو جئتني في وقتٍ سابق لوجدتني بحراً لا يهدأ موجه.
ربما لو جئتني في وقتٍ سابق لوجدتني ناراً لا تخبو ولا تقف.
ربما لو جئتني في وقت سابق لَوَجدتني رياحاً لا تهدأ ولا تغيب.
أو شمساً يفرح بلُقاها من آثروا الدفء , أو قمراً يأنسوا به في الليل الغَريب , أو قصيدة لا يعلم إلا الله من أي الجِنان جائت ولا في أي القلوب وَقَعَت.
غِبت عن نفسي يا رفيقي حتى صِرت أنا والعدم سواء.
لم تدُم لي تلك الهالة وهذا الغموض الأثير , استُهلِكت حتى لم يبقَ مني شيئاً أواري نفسي وراءه.

“  إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْ “

“إن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!  “

“القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!  “

“للحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردة  “

“كن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْ “

“لن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُ “

“  الوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملٌ “

“لا تفكّر، وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة… والفراشات تكملها“

“لا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام“

هذه هي نفسي التي قطّعت نفسها لكي تَكفي أجزاء القصيدة
وتلك هي روحي التي قسّمت روحها لكي تتنفس في أعماق الرسالة
وهذا أنا يا صديقي
هيثم عزت محمد عبدالفتاح شومان
طالب سابق في كلية الهندسة وطالب حالي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
تُرى هل وجد نفسه؟ هيهات
شاعر سابق عندما كان العِشق سهلاً , وعاشق حالي حيث صار الشِعر صعباً
الشِعر
أين ذهب؟ ربما لو علمت لذهبت وراءه أبحث
الشِعر الذي يُهدئ نيران القلوب , ذهب , وبقيت النيران لتأكل لا القلوب وحدها , بل لتأكل الأشياء كلها
حتى صرت إذا نظرت لا أرى
وإذا ابتسمت لا أضحك
وإذا فرحت لا أطمئن
وإذا حزنت لا أبكي
جسدٌ بلا روح , هل يستحق الحياة؟
لا .. تسحقه الحياة
فيفعل كل شئ ولا يحسّه
ويأكل كل شئ ولا يذوقه
ويستقبل كل شئ كما لو كان جداراً أليفاً
لا يزعق في الناس التي تكتب عليه
جداراً تطمئن له الأجسام وتسكن
لا يخيب ظنون الناس في الثبات , وهو الذي امتلأ بالشروخ
تُرى يا صديقي إذا وقع .. سيسخط الناس لأنه وقع وتركهم أم سيعيدوا بناءه كما كان ؟
تكلمت كثيراً والكلام الكثير عيبٌ في مذهبي
اذهب , فأنت السعيد
وعليك وعلى من قرأ السلام

الأربعاء، 25 فبراير 2015

إحساسات

حسيت دلوقتي ان حياتي عبارة عن نظام زي أي نظام مكون من أجزاء , كل جزء في النظام ده بينهار بطريقته الخاصة وبالبطئ ومجموع الانهيارات دي هيوصّلنا لنهاية حتمية هي انهيار النظام كله , مش أول مرة احس بالوحدة بس اول مرة احس ان محمد مصطفى بعيد اوي في محافظة بعيدة اوي مقدرش اكلمه اقله ينزل - حتى لو مرضيش. بقيت افكر كتير في اللي فات ومن شوية كنت جاي اكلم اخويا فكنت هكلم بنداري بالغلط , لوغاريتمات واحد بشرطة هي اللحن الوحيد اللي بيتجدد في مخي مهما مرّت الأيام واتغيرت الظروف , بدأت احس اكتر ان انا بعدت واني انفصلت بطريقة انسلاخية عن ناس كنت منهم وكانوا مني , عرفت مين مستعد يبيع ومين لسة مبقيلي مكان صغير في قلبه وحافظلي مكانتي زي ما هي من زمان , بقيت بفكر كتير اوي في ازاي بصاحب الناس وبفارقها وليه بصاحبها وليه بفارقها , بقيت اركز اكتر في ميكانيكية تشكيل علاقاتي نفسها وهي بتبقى قايمة على ايه وبتنتهي على ايه , بقيت اعرف اكتر ايه اللي بيزعلني وايه اللي ممكن يخسرني اللي قدامي من غير مجهود , حصل حاجة من يومين هتخسرني حد كنت بحبه بالتدريج الممل اللي هيعذبني لحد ما يحصل وبعد ما يحصل , بحس  ان مكونات شخصيتي دي مش بإيدي انا , ربنا خلقني غيور , مُحب , كاره , أناني في الحب , عندي مبادئ وأخلاق معينة -حميدة أو ذميمة- مابخرجش عنها حتى لو هخسر الدنيا , كل يوم مثلا أمي تيجي تكلمني في حاجة وارد عليها بنفس الأسس دي تزعل وتمشي وتسيبني , مابعرفش اغير نفسي عشان ارضي حد حتى لو هو اقرب حد , بقيت افكر جدياً اني ارجع اسحب تاني علاقاتي كلها وابنيها من جديد.

الاثنين، 8 ديسمبر 2014

الرسالة الثامنة

ذهبت بي يا أخي عواصف الدُنيا فَبِت مُشتت القَلب مُفَرّق الصَحب طائر اللُب لا أنظر إلا وهدفي بعيدٌ جداً لا أراه بل ولا أعلمه , أين أنت منّي الآن وقد مدّت الحياه خطاً طويلاً بيننا , هل تراني آخُذ الأشياء كما لو أنها عاديّة أو مُستساغة في دورة الأيام ؟ والله لإني لن أصادق أحداُ مثلك ما حييت , ابقَ يا ولدي ولا تذهب هذا البُعد , أأقولها لك أم الأجدر أن أقولها لنفسي ؟ وهل تحسبني أفرّق بيننا يا أخ ؟ لقد أخطأت الظن إذا , أخطأت إذ لم تعلم كم أنت هاهُنا في لُباب القلب , وهل ترى ؟ هذا ليس عيباً فيك , بل إنه لن يشعر به إلا صاحبه , لا يشعر بقسوة الحُب إلا صاحبه يا صاحبي , الحُب يربط بين القلوب برابطٍ غير مرئي , قاسٍ كالحديد , هل تستطيع شَد حبلاً من الحديد مُنسلخ في فؤادك ؟ تكذب إن قُلت نعم , هكذا كلما أبعدتك الدُنيا عمّن تُحب شَدّت هذا الحبل , جَرَحت في قلبك , بل ربما تقسو الحياة فتنتزع منه أجزاءاً فتصبح بعد التجربة فارغ الشعور , لأن هذا المكان - بالتحديد - كان لفُلان الذي أخذه وذهب , وما هذا إلا هذيان الليل يا صاحبي , رفقاً بنفسك , لست سيئاً إلى هذه الدرجة , فبالصباح أتَقَنّع الشخص الجميل , الجديد , الباسم في وجه الناس , المُحب للحياة , الناصح بالتفاؤل , إلى أن يهطُل علَي الليل , وما أدراك ما الليل يا أخي , في الليل أشعر كم أنا وحيدٌ ومُجَرّد ومَرمي في صحراء البَشَر بلا أهمية ولا رابطة , من ظننتهم سينظرون في أمري انصرفوا عنّي ونسوني في غياهب الأيام , كأنني لم أكن يا صديقي العزيز , وهذه هي الخدعة المُرّة التي يتلقّاها كل من يرحل , جرّبها أمامي أكثر من أحد , وكنت أسأل : كيف للناس أن يفقدوا وجود الناس من حياتهم هكذا دون أدنى مقاومة ؟ هل ترى ؟ اليوم عَلِمت.

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

تأملات (4) : الذكرى والثورة والأمل

كأن السماء تتفق على مشاغلتي الآن فتُرسل لي المطر والثوّار والهتافات والغاز والأفكار والمشاعر الحزينة. ماتت رضوى , ومات نجم , واقترب يناير ولازلت هاهُنا أعبث بالوقت وأتأمل في تفاصيل الفراغ. سنة مرّت وأنا أكتب هذه المُذكّرات المُرهِقة , المؤلمة. سنة مرّت وأنا أحمل فوق رأسي هم كتابة تاريخ الأيام الذي يُمحى بأصوات الفسدة التي يطنّون بها في آذان الشعوب , ولكننا نحن , والله لن ننسى.

كتبتها في أواخر ديسمبر من عام 2013 , كتبتها لأبيّن حقيقة أمري من الثورة والبلد والأحداث وتراكم الوعي وحقيقة الغضب المتزايد تجاه الأمور. السطحيون لا يرون إلا ما يسبح أمام أعينهم , لا يألون جهداً في تبيّن الأمور وربطها , في تأمل الأسباب والنتائج , يتكاسلون عن التفكير والمتابعة ولا تجدهم إلا ويسألونك بكل تساهُل واستغراب : “ عايزين إيه يعني ؟ ” , وكأنهم لا يعيشون معنا على نفس الأرض.

كتبتها وأنا أمنّي النفس بالإنتهاء قبل الخامس والعشرين من يناير 2014 , قبل احتمال الهلاك في كل مرة أحمل فيها روحي على راحتي وأمضي إلى الشارع بحثاً عن الحُريّة والوطن , وألهو بها أمام الأسلحة التي لا تصبر على القتل , كأنها تتغذّى على الأرواح الحُرة , البريئة من الذنوب , الأرواح التي تستحق الحياة في مواجهة الأسلحة التي تستحق ألا تُصوّب إلى داخل الوطن.

والآن وقد دارت الدائرة وأتى ديسمبر الجديد , أتيت بروحي من مكانها البعيد وقُلت , الآن سأحملك على يدي لعلّنا نعود معاً , ولكنني أخاف إذا ما عدنا ألا أكمل ما عَهَدت إليه , وأنا الرجل الذي لا يحب مخالفة الوعود , كيف أفاضل بين أن تستمر الكتابة عن الثورة وبين الثورة ذاتها؟ فليرحمنا الله من وطنٍ نخاف فيه من الحِلم , الحلم الذي يقتل.

أشعر أنني لا أكاد ألاحق أنفاسي , يمر الوقت ولا أفعل شئ , لا أهتم بالدراسة اهتماماً جيداً ولا أكتب الشِعر ولا أُكمل المذكرات ولا أتعلّم شيئاً أحبّه , بل إنني أصبحت لا أحب , وهذا هو الجديد , ربما هذا هو المفاجئ في ذلك الكلام كله , علّمني الحُب ألا أحب , لأنني إذا أحببت سيقتلني الوَجد والشوق والصبر. ما لهذه الحياة التي تقتل كل شئٍ جميل ؟ ولكنني أصر على الأمل , أحاول وأحاول من أجل الأمل فقط , أحب الناس وأتعلق بهم من أجل الأمل , أكاد أضحي بعمري أو بنفسي أملاً في بلدٍ جديد لن يغيره دمي في شئ , ولكن خلقنا الله لا نعلم كيف نسكُت عن الضُر.

هذا ما كان في نفسي في هذه الليالي الخفيفة , الثقيلة , ولعل الله يهديني إلى الرُشد والصلاح , ويلهمني الصبر والأمل , ويهبني الحُب والرحمة , ويرزقني بالخير حيث ولّيت وجهي , ويسمع دعائي إنه سميع الدعاء , والسلام عليكُم ورحمةَ الله وبركاته.

الأحد، 16 نوفمبر 2014

رسائل حُب (2) : عالحُب تصحى أيامنا , عالشوق تنام ليالينا

إن شئتي سأكشف لكِ كل وجوهي , وليس الوجه الآخر فَحَسب.

من أيام خطر لي خاطر , كنت أفكر في الحُب العفيف المنزه عن الرغبات الدنيئة , سألت نفسي إن كان المُحب يمكن أن تصل روحه إلى هذا المكان , بحيث يحب روح معشوقه ويعلو عن نداءات الأجساد , وتسائلت , هل يمكن أن يحدث ؟ وبدون أن يمر أسبوع على سؤالي جائتني الإجابة , أنا لا أريد منكِ شيئاً مما يريده الناس من الناس , أنا لا أحب فيكِ شيئاً سوى نظرة الأعين , لا أريد إلا أن أكون معك.

كل يوم وفي طريق عودتي للمنزل , أدعو “ يارب ” , وحسب , لأن الله يعلم أنني أخشى أن يضيع عُمري في البحث عن الحُب الحقيقي حتى إذا وجدته , ضاع من يدي , حتى إذا ضاع , ضِعتُ أنا.

عندما أبحث ورائي لا أجد سبباً مقنعاً يجعلني أعزف عنهُن جميعاً وأسير في دربك وألتمس طيفك في كل مشهد , لا أعلم هل مشاعري هذي محض انبهار وانجذاب عادي أم هي ما أفكر فيه ؟ ما أظنّك تعلمينه أو حتّى تُرجّحي وجوده.

لا أعلم ماذا أكتُب وانا هكذا مشتت المشاعر , أعيش هُناك فقط , حيث تكوني , هذه هي الحياة الحقيقية , وما بينها هو الانتظار والتفكير والتمنّى.

وعندما أنام , أمنّي النفسي بالحلم الذي أنتي فيه , أو بالنومة السريعة التي توصلني إلى اليوم التالي بأسرع ما يكون , وعندما أصحو , يتحول قلبي لمصدر متجدد للطاقة , يدفعني دفعاً , إلى حيث ينبُض.

الاثنين، 10 نوفمبر 2014

رسائل حُب (1) : وانتَ , وانا

“تاه وسط الزحام
فكر في أبعد مكان
ينسى فيه اللي راح
واللي صار وكان
ورا موجة وبحر وشمس وليل
أبعد غابة وأبعد سيل
ينساه الماضي
ويفضل لحنه الهادي
يرجّع زمان
من أبعد مكان”

كَم تَصفني هذه الكلمات اليوم , تُهت في غياهب العقل وتداخلت مع كل عناصر الكون وخرجت كما أنا الآن. أكتب كل يوم كأنما هو يوم كتابتي الأول , لا تتوقف مشاعري عن التدفق ولا يتوقف قلبي عن الحب. وجدت الذين أعلمهم منذ الزمن البعيد , الآن فقط أثبتُّ صحة نظرتي للدي جا فو .. أننا رأينا كل الذين نحبهم قبل أن نولد , يصدمنا الحظ السعيد بهم فلا نعلم أجئنا هنا مصادفةً أم كانت تلك كتابات القدر التي تسرب منها شيئاً إلى عقولنا ونحن صغار , وشيئاً آخراً إلى أحلامناً وخيالاتنا البعيد. إنها نفس الوجوه التي تظن أنك تعلمها منذ بدء الخلق , لا تُخطئها ولا تُخطئك.

كان كشكولها اليوم في يدي , اليوم والغد , كان باستطاعتي أن أكتب إليها كل رسائل الحُب , بل أن أسافر الإسكندرية في أول قطار وأجلس أمام البحر في الليل وأملأه من فيض خواطري. لا تستغربي سكوتي عندما نصبح - في لحظة واحدة - وحدنا , لا أجد المواضيع التي تبدد الصمت والملل , لا مواضيع بيننا غير أني أحبك , فقط.

لا أريد أن أكون مخطئاً هذه المرة , أشعر بهذه المرّة دوناً عن كُل سابقاتها , أأسرها نظرةً بعد نظرة , أعدّهم وأحفظهم حتى إذا انتابني الشك أخرجتهم كدليل على أننا نسير على الطريق معاً.

الآن أشعر بالأغاني كما لم أشعر بها من قبل , أذوب في كلماتها كلمةً كلمة. اليوم بدأ صباحي بأن سمعت راكباً عابراً والهاتف الذي في يده يغني , يغني لي بالتحديد : “ الليل وسماه , ونجومه وقمره , قمره وسهره , وانتَ وانا , يا حبيبي أنا , يا حياتي أنا , كلنا كلنا , في الحُب سوا ”.

لست كبيراً كما بدوت , الكآبة الماضية زادتي كِبَراً ورسمت على وجهي علامات الحُزن. الآن أنا صغير مثلهم , من أبعد مكان في عقلي جاؤوا وجلبوا معهم “زمان” الذي عاد وعادت معه الروح.

اليوم تمثّلت أمام عيني معانٍ عدة :خفة الروح وجمال المنظر وصعوبة البلوغ ورابطة الصداقة.

اليوم عَلمِت أنني لست وحيداً ولا منفياً كما اعتقدْت , بالأمس تكلّمنا وبدأت الحياة , واليوم استمرت وتفتّحت , وبالغَد نستشق العبير ونتأمل الجمال الذي لا يضاهيه جمالٌ آخر.

الأحد، 9 نوفمبر 2014

يا أحلى من أحلامي

“ ولقد ذكرتك والرماح نواهل .. مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقببل السيوف لأنها .. لمعت كبارق ثغرك المتبسم “

أجري كل يوم بعدما ننتهي إلى هنا ، هذا الفناء الأبيض الذي صار ساحة المعركة التي أبث فيها أشواقي المتلاطمة كموج البحر ، غرفتي الصغيرة التي اعود إليها كل نهار ، أقول لها أن تحب عيني التي لاقت أعينها وأذني التي سمعت صوتها وقلبي الذي تعلق.

وددت اليوم لو أترك كل الأطر المنمقة والعلاقات الدراسية الحثيثة وآخذها بعيدا عن الناس وأخبرها بدون أي مقدمات بأنني أحب ، وبأنها تعلم ، وبأنها زارتني في منامي فوددت لو لم استيقظ ابدا.

كنت أريد أن يخلق الله لي الأجنحة اليوم كي أستطيع أن أعبر عن فرحي بدخولها في حياتي. الآن تمت الإجابة عن باقي الأسئلة التي كانت عالقة في ذهني ، كنت أود في سياق الحديث القول أن القدر هو الذي أتى بي إلى هنا ، معك. القدر الجميل.
السؤال الأول : اختر الإجابة الصحيحة من بين الإجابات التالية مع شرح سبب الاختيار
السؤال الثاني : حدد ما إذا كانت كل عبارة من العبارات التالية صحيحة أم خطأ مع تبرير إجابتك
ماتيجي تنيكني أحسن ؟

السبت، 8 نوفمبر 2014

ضحكات صغيرة خافتة تكفي يوم

لحظات من الحياة والسلام النفسي قد لا يعيرها البعض اهتماماً , لكنني أرى فيها بلوغ قيمة الأشياء , هي لحظات الحمّام. في الثواني التي تُلبي فيها نداء الطبيعة , الراحة التي تكفي لصرفك عن منغصّات اليوم , في هذه الثواني فقط تستطيع التأمل , بعمق. اليوم - بينما أنتهي - درست تصميم الحمّام كله , من نظرة واحدة - متأنية - إلى السقف , تلتها نظرة أخرى سريعة إلى الجدران والمواسير والبلّاعة , ستتعلم في هذه الأوقات الضيّقة ما ضاقت عليك الساعات الواسعة في تعلّمه , ستدرك الأخطاء الحقيقية في تصميمات دورات المياة , قُل : دورات الحياة . اليوم , عندما استدرت ناحية الباب لأستقبل الحياة بصدر جديد , ببالٍ رائق لا تشوبه شائبه , استدركتني عبارة كتبها أحد المتأملون في جوهر الحياة من وراء هذا الباب , أمام جلستهم المسالمة. في هذا الديوان البديع الذي اتسع لكل أفكار الأصفياء الأنقياء ومجادلاتهم ومحاوراتهم , الذين أدركوا معاني الوجود وحلّوا مشاكل الإنسان من مجالسهم الضيقة , التي استحالت في لحظة إلى مراكز متعددة للكون.
هفضل اقولها وانا بطرطر"
“يسقط يسقط حكم العسكر 

الثورة مُستمرة (3) : التغيير


(1)
في أحسن الظروف , اللجنة العليا للإنتخابات هتدعو الشعب لاختيار الرئيس الجديد في الانتخابات الرئاسية 2018 , ده طبعاً إذا محصلش حاجة تغيّر الوضع في الأربع سنين دول. قدامنا حاجة من الاتنين في اللحظة دي , يإما نبدأ فعلاً نفكر في مستقبل البلد على المدى البعيد ونعرف احنا غلطنا في ايه في الكام سنة اللي فاتوا ونعرف احنا المفروض نبقى جاهزين ازاي للوجود و ازاي نخلق منافسة حقيقية مع النظام العجوز اللي مش راضي يسيبها , يإما نفضل قاعدين في البيت نندب حظنا ونكتب على تويتر " مصر قاد الدونيا هاهاها " للأبد ونفضل نغني بنبرات اليأس والمظلومية لحد ما نموت.

(2)
أنا معنديش خطة أنا بس بفكركُم اننا لازم نفكر ولازم منخليش السنين والوقت يهربوا مننا , كمان 4 سنين هنكون بنشتغل وبنتجوز وهنسيب البلد تتحرق بالأجيال الجاية واللي بعدها وهيبقى احنا اسمنا الجيل اللي فتح ثغرة في صفوف النظام بس معرفش هو المفروض يعمل ايه بعدها وسَقَط بالقتل والسجن كعبرة للأجيال اللي جاية كلها.

(3)
أيام مرسي لما كان كل الناس أصابها اليأس كتبت نفس الكلمتين بتوع الانتخابات الجاية لإن مادمنا مانقدرش فعلاً نقوم بثورة ومحدش جاهز لده فلازم نفكر - تلقائياً - في البديل اللي - المفروض - بيغيّر في البلد أو اللي الناس واثقة فيه وفاكراه بيغيّر , الصندوق.

(4)
الإعلام بيختار للناس الحاجات اللي تفتكرها والحاجات اللي تمسحها من ذاكرتها تماماً , في أيام أكتوبر ونوفمبر وديسمبر من كل سنة الناس مش هتفتكر اللي حصل في ماسبيرو وفي محمد محمود وفي مجلس الوزرا , الناس هتفتكر اللي الإعلام عايزها تفتكره , في اكتوبر هيحتفل بالحرب عشر أيام قبل 6 اكتوبر وعشر أيام بعدها , وفي نوفمبر وديسمبر هيفكّرهم بأحداث الإتحادية , وطول الوقت هيفضل يجمع فيديوهات لمدى وحشية الإخوان وعُنفهم , لكن مش هيذكُر أبداً إن نفس لون الدم الأحمر ده موجود في صور تانية أكتر وأبشع بكتير من الصور اللي بيحفّظها للناس يومياً - افتحوا قناة دريم فقرة الإعلانات.

(5)
الإعلام عارف كويس المعاني العظيمة اللي الناس بتحب تسمعها , الحرية والشعب والنضال والثورة والعدو والقصاص ودم الشهداء , بس هو عارف إنه لو استخدم الكلمات دي بمعانيها المجردة الناس هتفهم والنظام هيكون في خطر , عشان كدة هو استخدم نفس الكلمات بس فرغها من معانيها وحط جواها معاني تانية تخدم رؤيته , تخلي الناس لما يفكروا في الكلمات دي يوصلوا للقناعات دي , في الفقرة بتاعت دريم أو أون تي في أو أي قناة كانت بتصنع الفقرات دي هتلاقوا دايماً الكلمات دي بمعانيها المختلفة , انتو عشان فاهمين هتتآخدوا شوية وهتحسوا ان فيه حاجة غلط , الناس العادية معندهاش التراكم اللي عند الشباب اللي نزل الشارع , ففي فقرة دريم بتاعت صور ضحايا العنف الإسلامي أيام مرسي وبعده ( الاتحادية - النهضة - كرداسة - رفح - ...) بيجيب آخر مشهد في الفيديو مشهد للداخلية بتصلّي على ضحايا حادث إرهابي وأم كلثوم في الخلفية بتقول : " آنا الشعب أنا الشعب لا أعرف المستحيلا , ولا أرتضى بالخلود بديلاً " .. فتلقائياً الناس هتفهم إن الداخلية هي الشعب , وإن المستحيل هو العنف الفردي ده وإن الخلود هو القضاء على العنف ده واستقرار حُكم الشعب , أو الداخلية اللي بترمز للدولة المظلومة هنا. وقياساً على كدة تبقى الحرية هي : التحرر من حكم الإخوان (بس) , والشعب هو الشعب اللي بيكره الإخوان وبيموتهم (بس) والنضال هو الكفاح المسلح ضد الإخوان (بس) والثورة هي ثورة 30 يونيو المجيدة (بس) والعدو هو الإخوان (بس) والقصاص للشهداء هو القصاص لشهداء الجيش والشرطة (بس) وتصفية الإرهابيين بقى عشان الجيش والشعب غضبان وكدة - انظر عدد الأهرام بعد خطاب السيسي بعد حادث الشيخ زويد.

(6)
في يوم حصل انفجار أو انفجارين في حتة معينة كدة ومات فيه ناس أو ماماتش , افتكر انه كان يوم الـ30 جندي ده أو اللي قبليه على طول , المهم واحنا نايمين في أمان الله سمعنا صوت قوي في الشارع خلانا كلنا نتخض ونقوم فجأة , الملاحظة هنا كانت رد الفعل اللحظي لبابا اللي قال : " اللي يلعن دين أم الإخوان ..." وماما اللي قالت : " حسبي الله ونعم الوكيل , إيه اللي بيحصل ده يا ربي ". الإشارة هنا إن حتى لو فيه كاوتش عربية فرقع على أول الشارع فالعقل الباطن للمواطن الجالس قدام التليفيزيون مش هيحاول يفكر الأول , لكنه هيترجم الوضع فوراً للحاجات اللي اتزرعته فيه على مراحل طويلة جداً وممنهجة إن الخطر يساوي الإخوان إلى إثبات أي حاجة تانية.

(7)
الواقع البائس بيحتم عليا إني كل يوم اسمع وائل الإبراشي في البيت بالعافية , لاحظت من طول سماعي - وعدم مشاهدتي - إنه كل حلقة بيذكُر كلمة " الإخوان " مرة على الأقل , وكذا حلقة في الإسبوع بيجيب ناس تعيط ويشغل في الخلفية موسيقى حزينة جداً أو يشغل زي النهاردة أغنية زي ( حرام تموت ضحكة بريئة ) بتاعت عمرو دياب , وباللعب على المشاعر الناس في البيوت بتتأثر على طول وساعات بتعيّط كمان مواساة للناس اللي جوة الشاشة.

الشاشات اللي بتجيب أمهات الجنود والظباط اللي ماتوا بيعيطوا وبيتشحتفوا ويصرخوا هي نفس الشاشات اللي نقلت مذبحة رابعة العدوية على الهواء مباشرةً بتعليق نفس المذيعين , لكنهم يومها كانوا مبتسمين وحاسّين بالنصر وبتفيض منهم معاني الوطنية وبيستضيفوا القتلة على إنهم أبطال وبيوصّفوا إراقة الدم على إنها حماية للمواطنين , الناس اللي بتتفرج ماخدتش بالها إن المعركة الوطنية العظيمة دي راح فيها ناس شبه الناس اللي هما بيعيطوا عليهم دلوقتي , ميعرفوش إن معارك الداخلية ضد الإرهاب في الجامعات بتصيب وبتسجن وبتقتل طلبة جامعيين شبه ولادهم بالظبط , عشان الإعلام قدر يعمل عندهم فصل بين الحقيقة والشاشة , ابنك في الحقيقة طالب جامعي بس الطلبة الجامعيين عالشاشة قلالات الأدب وعايزين الداخلية تربيهم , ابنك في الحقيقة عايز يحضر ماتشات الزمالك , بس مرتضى بيقولك عالشاشة إن جماهير الزمالك بلطجية وإرهابيين ويستحقوا القتل , ابنك في الحقيقة شاف الداخلية بعينه وهي بتضرب محمد رضا بالنار , بس عالشاشة مسئول الدولة اللي لا يمكن يكدب بيقولك إن الرصاصة اللي أصابت محمد رضا رصاصة إخوانية من داخل الكلية , ابنك في الحقيقة كان بيجري من الداخلية يوم 25 يناير اللي فات وفي ناس ماتت ومعاه رصاص ميري بتدل على إطلاق النار , بس عالشاشة الشعب المصري العظيم بيحتفل بالمشير عبدالفتاح السيسي وبيدعوه للترشح للانتخابات الرئاسية بالملايين , ابنك في الحقيقة يعرف واحد اتعذب في سجون النظام , بس عالشاشة مسئول حقوق الإنسان في الداخلية بيتكلم عن قد إيه الداخلية بعد 30 يونيو اندمجت مع الشعب وبقت تحترم حقوق الإنسان , ابنك في الحقيقة كل ما ينزل يمسك ورقة في الشارع مكتوب عليها افرجوا عن المعتقلين الداخلية تجري وراه , بس عالشاشة الرئيس عبدالفتاح السيسي بيتكلم في الأمم المتحدة عن حرية الرأي والتعبير في مصر , ابنك في الحقيقة مات في مظاهرة بتهتف بالحرية والعدالة والكرامة , بس عالشاشة هو عنصر إرهابي الداخلية اتعاملت معاه لحماية الوطن.

(8)
النظام بيتعامل مع الناس على إنهم بينسوا , وهما في الحقيقة بينسوا , بل إنهم مايعرفوش , أنا شايف إن هي دي نقطة الضعف اللي النظام بيستغلها , بيستغل جهل الناس بالوقايع والأحداث ويملا مكانها أحداث تفيده وتعزز مكانته عندهم , بدل ما يقولّهم إن الجيش دهس الناس في ماسبيرو ممكن يقولهم : " الآن علمنا من هو الطرف الثالث الذي كان يوقع بين الشعب والجيش , إنهم الإخوان المسلمون " .. بشوية بلاغة صغيرين الإعلام بيقدر يقنع الناس برواياته , وغير الناس اللي عاشت الأحداث , ففي أجيال جاية متعرفش حاجة , بيتكتلهم في كتب التاريخ دلوقتي كل حاجة حسب مزاج الحاكم , وممكن بعد كذا سنة نلاقي في كتب التاريخ فصل بعنوان " مؤامرة 25 يناير " .. من هنا علينا كشباب لسة فاكر ولسة عايش , علينا حاجتين : أولاً نبرز للناس التناقضات اللي جواهم , نسألهم مثلاً انتا زعلان ليه عشان الجندي " فلان " مات ؟ لو قالك عشان إنسان قولّه في كام إنسان زيه مات موتة أبشع. أو انتا نزلت ضد مرسي ليه ؟ هيقولك جملة فلسفية ملهاش علاقة بالواقع , هيقولك مثلا عشان مصر , أو عشان مشروع قناة السويس اللي كان هيبيع مصر , ماتزهقش منه ولا تضحك عليه واسأله عشان إيه في مصر , قطع النور ولا غلاء الأسعار ولا العنف ولا إيه بالظبط ؟ واسأله إذا كان مش شايف نفس الحاجات دي وأكتر منها موجود دلوقتي ولا لأ ؟ واسأله إيه ليه مشروع السيسي مش هيبيع مصر هو كمان ؟ مش هيعرف يرد عليك لإنه فاهم لحد ما الإعلام بيقولّه , هيتلخبط , ساعتها انتا المفروض تفهمه ان النظام ماتغيرش وإن اللعبة كلها كانت خناقة على السلطة كسب فيها اللي معاه السلاح والإعلام. ثانياً تجهز حاجات تقولها للجيل اللي جاي لما يسألك عن الثورة , يإما ماتزعلش بقى لو كمان 10 سنين لقيت شاب عنده 15 سنة بيتكلم عن مؤامرة 25 يناير وبيلبس تي شيرت عليه صورة السيسي البطل القومي اللي ربنا بعته لينا عشان يحكمنا للأبد بحكمته , افتكروا ان احنا الجيل اللي معاه الحقيقة كاملة لإن هو اللي عاشها , ولا كان قدام التليفيزيونات بيردد ورا النظام , ولا كان عيل قدام كتب تاريخ ابتدائي وإعدادي بيقرا التاريخ المزيف. في لحظة معينة هيبقى مطلوب مننا إننا نعرف الناس إيه اللي حصل , وحيث إن الناس بتنسى فاحنا كمان بننسى , حاولوا ماتخلوش ده يحصل, لإن تراكمات الأحداث بيعمل تشويش في الذاكرة على التفاصيل المهمة وحتى الفرعية , فبعد 7 سنين لو حد سألك يعني إيه محمد محمود هتقوله دي كانت معركة في شارع متفرع من التحرير , بس مش هتقدر تفتكر كان إيه اللي بيحصل قبلها ولا بعدها.

(9)
أنا بطلب من كل واحد يفكر في شكل المجتمع اللي هو عايزه , طالما انتا يعني مناضل ثورة وداعي للتغيير ماتبقاش مقتصر على "التغيير" الكلمة اللي بتطلع من بقك , حاول تترجمه في دماغك لأشكال وأحلام , زي ما ذكرت في النقطة الأولى , في 2018 في انتخابات رئاسية المفروض يحصل فيها تحول ديمقراطي , المفروض وماتضحكش , عملت إيه انتَ عشان تقدر تقول للناس ساعتها إنك مش معترف بالانتخابات دي وانك هتكمل الثورة وهتموت في الشوارع عشانها ؟ ايه اللي يخليهم يصدقوك غير لو عندك مشروع للبلد عايز تجري وراه وتحققه كبديل عن مشروع الدولة العجوزة اللي ماقدرتش تقدم للمواطن غير الكلام والحماسة الفارغة ؟ انا مش بعجزك ولا باقولك اطلع احكم , انا عارف ان مفيش امكانيات ولا الدولة هتسمح بصعود الحركات دي ولا ولا ولا , أنا بس بقولك فكر عشان لما الراجل العجوز بتاع المترو يقول عليك عيل مراهق بتتكلم وخلاص ومش فاهم حاجة تعرف ترد عليه , ولما يقولك عندك إيه غير حكم العسكر تعرف ترد عليه , ولما يقولك انتا عايز فوضى على طول تعرف ترد عليه , ولما يقولك سيبونا نعيش تعرف ترد عليه وتفهمه انه في أشكال للعيشة أحسن من اللي بنعيشها في البلد دلوقتي.

الخميس، 6 نوفمبر 2014

وحدة

لا أجد منفذاً لبث خواطري غير هذا المنفذ. في التأملات الثانية أخطأت سماعي لكلمات أغنية ( علّم يا معلم ) , فقلت “ وداع بوداع ما خلاص ” , بدلاً من “ وجع بوجع ما خلاص ” , ورغم إدراكي , إلا أننا آثرت تركها هكذا لأنه ربما كانت حالتي في هذه اللحظة تجعلني أسمعها هكذا , ولأنني قد ربطتها بالعنوان أيضاً وبالحالة كلها , فعلامَ التغيير والسياق مُتّسق؟

لا تسيطر علي خلال أسابيع إلى الآن فكرة أقوى من فكرة الوحدة , أهرب منها إلى الشارع وإلى المظاهرات وإلى الشبكة ولكنها تعود فتجلس معي عندما لا أجد صوتاً آخر في حياتي غير صوت نفسي أو عندما أمشي في الشوارع والطرقات بطولي أو عندما أجد الأصدقاء يروحوا ويجيئوا معاً بدون الالتفات إلَي , خصوصاً إذا كان منهم من دنا في لحظة من القلب , فظنناه سينظر في المسألة , وليتنا ما ظننّا.

أحزن لفقد الإلهام , والأكثر منه , أحزن لفقد الكلام الذي كتبته على ورقة الخيال فَمُسَح بفعل الوقت والمكان أو كُتب ومُسح بفعل الغباء أو أخطاء البرامج. ثم أجلس وقد شعرت بأنني فاقدٌ جزء من نفسي , فما بالك إذا فقدت ما هو أكثر تأثيراً ووجوداً واحتواءاً من الكلام , الصديق.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

كلمنا طوب الأرض ورملها وتجاوزناها لأمواج البحار وعمقها وتركناها لكواكب السماء وبروجها ولم نتكلم ، الكون يدور ويثور والسماء تنطبق على الأرض والجبال تميد والعشاق لا ينتهكون قدسية الحب.