‏إظهار الرسائل ذات التسميات فانتازيا الثورة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فانتازيا الثورة. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 أبريل 2018

فانتازيا الثورة : الملحمة التاسعة



مرت الأعوام كسابقتها. هل أقول أشد وطأة؟ لم تعد المبالغات تعني شئ. فقد تجمد كل شئ ماعدا الزمن الذي لابد أن يذهب ولا يعود. ظل الجنرال يعلو أكثر فأكثر. تضاعف مريدوه ولمعت صورته وصار ذكره محبوباً ومرهوباً معاً. لم تعد السخرية منه مقبولة في الأوساط الشعبية كيفما كان. ومن تحته حكومة قوية لها اليد الطولى في إقرار كل شئ نيابةً عن الشعب. لم يعد الناس يتذمرون من الزيادات الدورية في أسعار السلع والمواصلات. يقولون "غلي بجد؟ طب كويس اني عرفت" ثم يكملون طريقهم. تخرج قوات الأمن في حملة أمنية كل فترة يذهب فيها من يذهب. العين الحمراء لا يمكن أن تغمض طويلاً لئلا يظن بها الناس النوم فيصحو هم. هم لا يصحون أبداً. صار اختفاء الأصدقاء قضاءاً وقدراً يستجلب دعوات من يعرفونه بألا يتم إيذاءه. صار بيع الأراضي والمنتجعات وتأجير الأماكن السياحية والمتاحف للدول الخليجية وبعض الدول والشركات الصديقة في الخارج أمراً طبيعياً. يحفز الـ"ميمات" الساخرة من حين لآخر فيضحك الناس، ثم يضعوا شواحنهم في هواتفهم ويناموا. زادت الوجوه الإعلامية وتنوعت وتطورت مناهجهم في إقناع المواطن. هم يعلمون أن لكل فئة خطابها، ولا يخطئون في ذلك أبداً. أخذ الأمر شكلاً أكثر احترافية، وارتبطت مؤسسة الرئاسة بشركات عالمية للتنظيم والدعاية والعلاقات العامة. وأصبح من وراء الرئيس جيشاً من الشباب من خريجي الجامعات المحترفين في المجالات المختلفة، يهتمون بكل تفصيلة وتلمع عيونهم أمام فرص الصعود في السلم الوظيفي لهذه الكيانات الكبرى وأن ينالوا من العلاقات والمكانة الاجتماعية ما يحفظ لهم أمانهم في مستقبل سعيد: وظيفة عالية الأجر في شركة عالمية لتنظيم مؤتمرات الرئيس، وعلاقات كافية مع أسماء معلومة وأخرى سرية تكفي لإخراج كل معارفهم من أي ورطة. كان الحدث السياسي الأبرز في هذه الفترة هو الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2020، وكانت المنافسة فيها على أشدها بين نواب الرئيس المخضرمون، ووجوه جديدة تتطلع إلى فرص ذهبية لإظهار مواهبهم في دعم الدولة المصرية. شن المخضرمون حملات عديدة لتشويه هؤلاء الصاعدين لأخذ كراسيهم التي أخذوها بالجهد والعرق. من غيرهم دعم الرئيس منذ لحظة ظهوره الأولى وقت أن كان العالم كله يسير ضده؟ من غيرهم تحمل حملات التشويه والسخرية من فلول الثورة المصرية قبل القضاء عليها تماماً؟ من غيرهم أعلن عن دعمه لمصر والوطن والدولة في أكثر من مناسبة؟ من غيرهم صرف عشرات الآلاف من الجنيهات لحشد الناخبين في دائرته للوقوف صفاً واحداً وراء مصر؟ من غيرهم ملأ الشوارع بلافتات الدعم والتأييد في طول مصر وعرضها، كأنها رواسي أن تميد بكم، فلم تسقط مصر كما اُريد لها! الآن يأتي هؤلاء الشباب "الملزق" لكي يمثلوا الشعب بكل بساطة! وفي المقابل التقط هؤلاء الشباب المثقف الخيط سريعاً، وصاروا يتكتلون مع بعضهم البعض في كل محافظة، حتى أفضت هذه التكتلات إلى كيان موحد سمي بائتلاف شباب الدولة المصرية، وبدأوا في شن حملات مضادة على كل من يقترب من أحدهم، حتى خاف البعض من مواجهتهم علناً قائلاً أنه سعيد بالمنافسة الشريفة، وأن الشعب سيختار من يثق في وطنيته التي لم يخفيها في أحلك الظروف. ثم بدأ التصويت، وعلى عكس انتخابات 2015، فقد كانت نسبة المشاركة هذه المرة عالية، إذ انتشر أعضاء حملة ائتلاف شباب الدولة المصرية في كل منطقة، يحدثون الناس عن البرامج والقوانين التي ستغير حالتهم، ويسألنوهم أين كان المخضرمون من خمسة أعوام فاتت وأنتم تكابدون معاناة مستمرة ومتزايدة فلا يتذكركم أحد إلا في المناسبات؟ لاحظ المخضرمون اللعبة وبسرعة شديدة وظفوا شباباً من كل منطقة بأجور عالية في حملاتهم الانتخابية لكي يقوموا بتنظيمها ونشرها بين الناس لمواجهة دعاية ائتلاف شباب الدولة الملزقة. فنزل الفريق الآخر بدوره يحدث الناس عن أن الفترة السابقة كانت فترة التخلص من أعداء الدولة، وأنهم يحضرون العمل الآن لفترة البناء والتعمير، وأن ذلك يستلزم أن يصبروا وأن يتيحوا لهم الفرصة كاملة، وألا ينسوا جميلهم في حماية الأوطان. ثم - وهم قادرون على ذلك - غمزوهم بفرص جديدة للتوظيف في المصالح والهيئات الحكومية المحلية، أو للقيام بترشيح أبنائهم في انتخابات المحليات ودعمهم، أو للحصول لهم على فرص تدريب في الشركات العالمية في مؤسسة الرئاسة، والعديد من "الخدمات" لأهل الدائرة، ولم لا وهو موجود من أجل خدمتهم؟ المهم أن النتيجة جاءت تعادل تقريباً في نسبة تمثيل كل من الفريقين في المجلس. وعندما انتبهت "الأجهزة" إلى كارثة قد تحدث إذا اختلفت الفريقان، عقدوا سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع قيادات كل من الفريقين للوصول لأرضية مشتركة وتذويب الكتلتين في كتلة واحدة من أجل مصر، وأن الرئيس تابع بنفسه ما حدث أيام الانتخابات وأعرب عن "قلقه" من أن يؤثر هذا الاختلاف على الدولة، وأنه لن يسمح بذلك، فهم الفريقان على الفور أن الرئيس يلوح بورقة حل مجلس النواب، فوافقوا فوراً على التكتل الجديد، واختلفوا على التسمية، ثم توصلوا لأن تكون تسمية وسط بين ائتلاف دعم مصر وحزب كلنا معاك من أجل مصر وائتلاف شباب الدولة المصرية فأسموه ائتلاف دعم الدولة من أجل مصر ثم أسموه "دعم" تسهيلاً. ولاحظ الجميع أن هذا البرلمان أقوى من سابقه، الذي وصفه البعض من أعضاء "شباب الدولة" سابقاً ببرلمان الأيدي المرتعشة، مما أفضى إلى توترات طفيفة سرعان ما قمعها مرتضى منصور رئيس المجلس الجديد، الذي كانت تكفي نظرة واحدة منه لأن يتنازل عضو عن طلب كلمة أو يصرف نظره عن طلب إحاطه لوزير صديق. انطفأت لعبة السياسة ومتابعتها سريعاً وكان أول قرار لمنصور منع البث التلفيزيوني لجلسات البرلمان ثم استمر كل شئ تحت القبة كما هو العهد بها ومر الزمان كما هو العهد به. على الجانب الآخر كانت الحركات المعارضة تحاول من حين لآخر تصعيد الحس السياسي للناس إلى مستوى السخرية أو الاعتراض كما كان يحدث من قبل بلا جدوى. وحاولوا أكثر من مرة إعلان اتفاقهم على الوحدة من أجل تغيير النظام، لكن مع الهجمات الإعلامية والإلكترونية الشاتمة أو الساخرة ينتهي كل شئ وذلك بعد اختلاف الرفاق على توقيع أحدهم أو على صياغة أحد بنود الوثيقة. استمرت محاولات الملائمة، من بقايا أحزاب وحركات، من مثقفين وأدباء، من أساتذة جامعة، وكل شئ كان ينتهي إلى لا شئ. يعود أحمد ليعبر الطريق إلى مدرسته الثانوية ليسجل الحضور. وتهبط ميرفت إلى المترو حاملة حقائبها الثقيلة بعد يوم عمل وشمس حارقة. وينتظر مجدي محطته في حلوان عندما ينزل الناس جميعاً إلى المحل البعيد. ويصعد الليل فوق المقهى ليرسل إلى الشباب نسيماً رطباً يليق بماتش الأهلي وطنطا، فيمتزج مع رائحة الشيشة فانيليا كريز. كل ذلك حدث قبل ديسمبر 2021، وخصوصاً قبل احتفالات رأس السنة التي دعى إليها مرتضى منصور وعدد من قيادات المجلس في سهرة خاصة أقامها عدد من أمراء الخليج في الفور سيزونز بالقاهرة. فقد بُغت منصور عندما سأله الأمير محمد بن أحمد عن تحضيرات الدولة والمجلس للانتخابات الرئاسية القادمة. وفي ظهر يوم السبت 1 يناير 2022، طرح مرتضى منصورعلى المجلس موضوع التعديل الدستوري في مادة تحديد مدد الرئاسة "لعدم وجود من يصلح لتولي منصب الرئيس القادم في الفترة العصيبة التي تمر بها مصر". عاد ائتلاف شباب الدولة المصرية للظهور مرة أخرى والإفصاح عن تحفظهم وسعيهم للنقاش. عندها اشتعلت النيران في أعين مرتضى منصور واندهش نصف المجلس الآخر من هذا الكلام الصادم الذي يُقال داخل مجلس النواب عام 2022. فأصدر قراراً بفصلهم جميعاً. حينها حرك محامون تابعون للائتلاف عدة دعاوي ضد قرار المجلس ورئيسه في المحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية، فقضت الأولى ببطلان قرار الرئيس، الذي عاد في الجلسة التالية ليجدهم جالسين أمامه، وفي أيديهم توقيعات عزله من رئاسة المجلس. عُزل مرتضى منصور من رئاسة مجلس النواب واشتعلت معركة جديدة بين المخضرمون والشباب على ما الخطوة التالية؟ رئيس المجلس من المخضرمون بالطبع لكن ماذا سنفعل في الموضوع الذي عُزل على إثره مرتضى منصور؟ على الناحية الأخرى قاد مرتضى منصور وبعض أصدقائه الإعلاميين معركة إعلامية شرسة ضد مجلس النواب ككل "الذي اخترقته العناصر الإرهابية حتى تمكنت منه". فأصدر النائب العام قراراً بفتح التحقيق في الاتهامات بالإرهاب وهدم الدولة والسعي لقلب نظام الحكم وبدأت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق على الفور. وانتهت التحقيقات إلى اختراق المجلس وخيانته للقسم الدستوري. وأصدر الرئيس بتاريخ الجمعة 14 يناير 2022 قراراً بحل مجلس النواب. ثم أصدر قراراً بتعديل المادة 140 من دستور 2014 والتي كانت "يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة." لتصبح "يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ويجوز إعادة انتخابه." وذلك بتاريخ الثلاثاء 25 يناير 2022، ويُنشر في الجريدة الرسمية.

انتهى.

*فانتازيا الثورة: الملحمة التاسعة*

الجمعة، 3 يوليو 2015

فانتازيا الثورة : الملحمة الثامنة

في البدء أتسائل , هَل أكتُب ؟ في أغلب المرات تكون الإجابة لا , ومرّة من كل عشرين مرة تقرأ كلامي. بعد أحداث شَغب طالت البلاد في مارس 2016 , مرّ أحد المارة من شارعه بالصدفة البحتة في يوم الخميس 24 من الشهر نفسه , فَوَجد كميناً أمنياً هائلاً يقسم الشارع نصفين , أحدهما يذهب إلى ميدان الخلفاوي في منطقة شبرا شمال القاهرة , والآخر يذهب إلى كورنيش النيل في المنطقة نفسها. ورَوَى الآتي :

بدون سابق إنذار , اخترقت ثلاثة رصاصات أجساد ثلاثة من رجال الأمن , ضابط وأميني شُرطة في لحظات متلاحقة سريعة , انتفض باقي رجال الأمن ممسكين بأسلحتهم الصغيرة والكبيرة مصوبين إلى الفراغ ومُطلقين الأعيرة النارية في الهواء ترهيباً , فانطلقت رصاصة أخرى اخترقت صدر ضابط آخر وأردته بجانب إخوته , وكان الرد بذات الطلقات في الهواء , لأن رجال الأمن لم يعلموا من الذي يقتنصهم.

خرج قائد الكمين من مركبته وأمر باحتجاز الشارع من الناحيتين , من أوله إلى آخره , وتوقيف كل السيارات والعربات والعجلات بل وأي شئ يمكنه التحرك في مدى الشارع , ثم استدعى الدعم من قوات الأمن المركزي والقوات الخاصة وقوات التدخل السريع من قسم الساحل وقسم أول شبرا الخيمة لعملية خطيرة.

في البداية أمسك أحد رجال الأمن مكبر الصوت ودعا مستقلي السيارات المحتجزة إلى عدم القلق وأنه سيتم تفتيش كل سيارة وتفتيش أفرادها حتى الوصول إلى القاتل , تزّمر الناس وزَمَّرت السيارات ولكن القائد زَعَق بأن " ماتصبروا يا جماعة فيه ايه ؟ فيه مجرم وسطكو واحنا مش هنتحرك من هنا غير لما نجيبه " ثم هّلَّت بشائر ثورة أخرى أقل بجاحة أخمدتها في مهدها رصاصة من سلاحه الخاص ذَهَبت إلى السماء ووَقَعت فوق رأس..مَن؟

مرّت نصف ساعة كاملة في تفتيش أول أربعة سيّارات , خَرَج رجل مُلتحي من سيارته في الصف السابع من الكمين ناحية النيل وأعلن غضبه وأنه لا يصح أن تقف مصالح الناس كلها من أجل العثور على مجرم واحد بينما مجرمي الدنيا والآخرة يعيثون في كل الأرض فساداً , وأن هذا الشارع ليس هو المدينة الفاضلة الخالية من المجرمين , بل هم في كل الشوارع منصهرين مع الناس والشحّاذين واللصوص والقَتَلة والمُغتصبين والزناة!

أحد الضبّاط الشباب ومعه خَمسة من رجال الأمن ذهبوا لهذا الرجل الثرثار الذي عطّل مهمتهم وشتّت انتباه الناس بل وجعلهم يتكلموا هم الآخرين! ذهب بعنجهية ضابط خرّيج حديث وقال : " اقعد في عربيتك وماسمعلكش صوت تاني لحد ما نخلص الليلة بنت الوسخة دي على خير! " , لم يستجيب الرجل بل وتمادى في رأيه أنه لابد من طريقة أخرى أسرع من هذا العَبَث , علا صوت الضابط , وعلا صوت الرجل , سبّ الضابط أمه , تطاير الشرر من عيني الرجل الذي كان يمسك في تلابيبه , لولا أن أنقذته رصاصة في الرأس من ضابط مُتَعصِّب في الكمين على بُعد 30 متر , عاد رجال الأمن لأماكنهم وعملهم كأن شيئاً لم يحدث , لحظات من الصمت المُريب , وبعدها هاج وماج الناس أن كيف يقتلوا الرجل بلا ذنب إلا أنه اعترض على الطريقة , وأنه ليس له علاقة بالجريمة وكان الأولى أن يجدوا الجاني , وكان القاتل هو الأولى بالرصاصة ليس المواطن البرئ الذي قذفته الظروف إلى هذا الشارع اللعين!

حاول القائد تهدئة الناس , لم يهدأوا , أطلق رصاصة في الهواء , لم يهدأوا , إلا أن كان هناك في الصف الثالث عشر شاب يرتدي بذلة سوداء وفي فمه سيجار وتبدو عليه أمارات الوجاهة , أطلق رصاصة مُرخصّة من سلاح مُرخّص اخترقت رأس الضابط قاتل الشيخ , وسط ذهول الجميع.

في الصفوف الخلفية لم يكن الناس على دراية كاملة بالحوادث في الصفوف الأمامية , فيمكن أن نقول أن تأثير الشيخ امتد حتى الصف الرابع للأمام وحتى الصف الثالث عشر للخلف , وأن الرصاصة الأخيرة أراحت ما بين الصف الأول ( الذين رأوا القاتل ) إلى الصف الثالث عشر ( الذين بالكاد رأوه ) , أما من الصف الثالث عشر إلى الصف العشرين فلم يروا يدركوا إلا حادثة أولى وقع فيها ثلاثة من رجال الأمن على يد قاتل مجهول , وحادثة أخيرة وقع فيها ضابط آخر على يد قاتل معلوم يرونه يقتل بينهم!

انقض الناس الخلفيون ( الصفوف من الثالث عشر إلى العشرين ) على الشاب يريدونه ميتاً بعضهم يحاول ضربه والبعض الآخر يحاول حمايته حتى تسليمه للكمين , وهرع الناس المتوسطون ( الصفوف من السابع إلى الثالث عشر ) تجاه الشاب يحاولون تخليصه من أيدي الخلفيين , حتّى خلصوه ولكن بدأت المعركة بين الفريقين.

الناس في الصفوف من الرابع إلى السابع ( الصابرون ) هم الذين كانوا على كلام الشيخ ولكنهم صاروا على اتجّاه السلاح , أي ان رأيهم تغيّر حالما وجدوا أن مصالحهم التي ذهبت ليست بأغلى من أرواحهم , وأن المبادئ والنظريات والاقتراحات لا تفيد في مثل هذه المواقف , فقرّروا الصَبر.

والناس في الصفوف من الأول إلى الثالث ( المُستعدّون ) هم الذين كان دورهم في التفتيش قد آن ولابد من أن ينتهوا من هذا الموقف سريعاً وهم أول الفائزون إذا ما سارت الأمور على ما يُرام.

كان هدف الصابرون والمُستعدّون واحداً وهو أن يسير التفتيش على منهجه الأول وأن يُسدل الستار على ما بعده من أحداث حتى ينتهوا ويذهبوا , فاتّفق الحليفان على محاولة الفصل بين الخلفيين والأماميين الذين يكادوا يأكلوا بعضهم بعضاً.

وعندما تدخل الحليفان في وسط المعركة , بدا في الأفق أن الشُرطة هي أضعف أطراف المعادلة على الإطلاق , وإذا جسّدناها في شخصٍ واحد , فستبدو مثل رجلٍ ثمين مهرول الذراعين مُنسدل السلاح مفتوح الفم ذاهل البَصَر , ربما تراوده خيالات بعيدة من أفلام الرسوم المتحركة تسعفه من هول المَشهَد.

عندما جاءَت قوّات الأمن المركزي , كانت الفوضى قد بَلَغت ذُروَتها من المُتعاركين , وكانت كُتلة البَشَر تذهب وتأتي كفعل الموج بعرض الشارع , فأطلقت الشُرطة قنابل الغاز على الجَمع بكثافة حتى تُفَرقّهم , فَتَفرّقوا في شارع شبرا وفي الشوارع الجانبية من أغاخان وفي شارع الكورنيش , حتّى أن عناصر الأمن في الكمين هَرَبت من وطأة الغاز المُسيّل للدموع.

عادت الجموع حثيثا إلى أرض المعركة بعد أن سيطرت قوات الداخلية على الوضع فطاردتهم الشُرطة , فقرروا التجمع في ميدان الخلفاوي ورفعوا مطالبهم من تغيير نظام التفتيش إلى إسقاط الكمين كلّه!

وصلت الأنباء بسرعة البرق عبر الشبكات الاجتماعية وتداول الناس مقتل رجل على يد الشُرطة في كمين بالخلفاوي ومقتل 5 وإصابة 34 شاب وتدمير 17 سيارة إثر اشتباكات في الشارع نفسه , تضامنت بعض الحركات الثورية مع الناس الذين احتجزوا وقُتلوا في الشارع وأعلنت النزول في حينها إلى ميدان الخلفاوي إلى حين فكّ الكمين و تقديم المتسببين في هذه الأحداث إلى المحاكمة العاجلة.

ازدادت الجموع في ميدان الخلفاوي حتى لم يبقَ شِبراً من الميدان لا تدوس عليه قَدَم , قرر أحد الناس عشوائياً أن يذهب بمسيرة لمكان الكمين لإعلان مطالب الثوّار , بالطبع مشى وراءه الناس مشتعلين بالحماسة ومتَّقِدين بالهتافات الثورية حتى إن اقتربوا من الكمين من ناحية " فورتيكا " بادرتهم قوات الداخلية بقنابل الغاز وطلقات الخرطوش , فجرت الجموع إلى الخلف وتقدّم آخرون يرشقون قوات الأمن بالورد وتطوعت مجموعات أخرى لحمل الذين سقطوا أو أصيبوا وإسعافهم في المستشفى الميداني في " كنتاكي " وانطلقت أخبار الضَرب كالنار في الهَشيم في شبكات التواصل ونزل الآلاف لمساندة المعتصمين ضد بطش الكَمين.

ازدادت الأمور سوءاً بعد منتصف الليل , بينما كان الآلاف معتصمين في خيامهم في ميدان الخلفاوي وحتى ميدان المماليك , الشارع الذي امتلأ بالثوار والمتضامنين , كانت مجموعة من الشباب تلعب كرة القدم بجوار " صيدلية النمر " , وعندما طارت الكُرة ونَزَلت بداخل أرض " عبدالشهيد " , تسلل أحد المراهقين اليافعين الطوال عبر السور إلى داخل الأرض .. وعندما انتظروه رفاقه , لم يعُد , بل عاد إليهم مرمياً عبر الباب , بلا حراك , بعد أن اعتدى عليه رجال القوات الخاصة المُرابطين في أرض " عبدالشهيد ".
في هذه اللحظة , دَقَّت كل عواميد الإنارة بإشارة الخطر , وصحى الناس على خبر الاعتداء على الطفل ذي الـ16 عام , وأعادوا ترتيب الصفوف , وعيونهم تسبح بين حلاوة الحِلم وشرارة الانتقام.

بدأت الاشتباكات مجدداً ولكن هذا المرة بأكثر حَميّة من التي مَضَت , إذ جَهَز المُعتصمين أدوات الدفاع والحجارة المطلوبة لعملية الكَر ثم جُلِبَت الألعاب النارية والشماريخ , وبعدها أدوات حماية الرأس باختلاف أشكالها , ومع إعداد العُدّة كانت القوة قد جُلِبَت أي المدد من البَشَر , ثم انطلق أول صاروخ إلى السماء حاملاً الشرارة , وأرسَل أبناءه الصغار يظللون المشهد بشرارات أصغر تَصغَر وتَختفي , ثم نَظَر رجال الداخلية إلى السماء مستفهمين , وبدأ الإحتفال.

بدأت الاشتباكات مجدداً في حوالي الساعة الثالثة و9 دقائق صباحاً واستمرّت حتى توقّفت مع آذان الفَجر , وأسفرت عن مقتل 22 من الشباب بالرصاص الحي وبالخرطوش واختناقاً بالغاز ودهساً بالمدرعات , وإصابة 64 منهم بإصابات متفاوتة , بالإضافة إلى إصابة 17 من أفراد الأمن , وإجبار الكمين على التراجع في أحد صولات الشباب حتى أبواب " المدرسة الفُندُقية " , وانتهت المعركة الأولى قبل آذان الفَجر بعَشر دقائق , مع انتشار الأخبار بإعلان جماعة الإخوان المُسلمين مليونية الصلاة في المساجد والزحف إلى ميدان الخلفاوي.

سُمِعَ الآذان من الإذاعة العامة بصوتٍ خفيف من أحد أجهزة الراديو على مقربة , وبعد تلاوة الآذان - وحيث نزلت الجموع لتسجُد , قرأ المُشير محمود حجازي وزير الدفاع البيان الأول للمجلس الأعلى للقوات المسلحة : " بسم الله الرحمن الرحيم , إنه بعد هذه الأحداث العصيبة التي مرت بها شُبرا ( من أغاخان لأول المماليك ) , نُعلن نزول دبّابات الجيش المصري لمحاصرة منطقة شمال القاهرة من جميع الجهات , وتحليق طائرات الهيلكوبتر والأباتشي لتمشيط المنطقة على مدار الساعة , والدفع بـ300 ألف مجند لحفظ النظام والأمن , وفرض حظر التجول من أول " ماك " لحد مركز " رويال " وإعلان منطقة الخلفاوي منطقة عسكرية , حفظ الله شبرا وروض الفرج من كل سوء , والله الموفق والمستعان! "

***

فانتازيا الثورة : المُلحَمة الثامنة

الاثنين، 22 ديسمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة السابعة


لن تُصدقني عزيزي القارئ , أعذُرك , ولكنه حَدَث.

بدون أي مقدمات تُذكَر , كنت واقفاً - أو جالساً - في مكان ما في شارع بين السرايات الذي أصبح فارغاً فجأة , وكان يجلس معي جمعٌ من الشباب أمام بناية متهالكة لا تصلح أن تكون بيت العفريت في فيلم خيالي , هذه البناية متآكل نصفها من جهات مختلفة ويسكن في دورها الثاني البنك المركزي المصري ويقف من فوقها ومن تحتها بعض عساكر الجيش ومُهندسان أحدهما يعمل في يمين العمارة والآخر يعمل في يسار العمارة ولا تسألني ماذا يعملان بالضبط فوق العمارة هكذا. المهم يا رفيقي أنني فهمت من الأحداث أنه قد تم إزالة شيئاً مهمة من هذا الدور الثالث تبعه هذا التهالك الشديد - بنكاً مثلاً - وأن الناس الجالسون هؤلاء أكيد ليسوا مثلي أو مثلك قد جائوا لمشاهدة الفيلم الدرامي في العمارة المقابلة. تطورت الأحداث وإذا بالمهندسين لا يستطيعا القيام بأعباء العمل - التي لا أعلمها ولا رأيتها أبداً - وحدهم , فطلبوا من عسكري - أو ضابط - الجيش الواقف في الدور الذي فوقهماً أن يأتي لهما بمهندس ثالث صغير سيسد بالتأكيد حاجة العمارة , في الثانية التي تلتها فُردَت على العمارة اللافتة الكبيرة التي تطلُب المهندس الصغير , آه والله وصَدَّقت ساعتها. المهم يا صديقي العزيز أن الناس الجالسون الذين أخبرتك عنهم من قبل انتفضوا من أماكنهم متجهين إلى البناية - وقد تبيّن الآن أنهم ليسوا متفرجين الحمدلله ولكنّهم مهندسين صغار جاءوا يطلبوا الرزق بأغرب طريقة ومن أغرب مكان في العالم , ولكنني سأعذرهم الآن. نسيت أن أخبرك أنه قبل طلب هذا المهندس أعطى رجل الجيش للمهندس الذي يعمل في يمين العمارة - والذي يشبه جاريدو - 45 ألف جنيه في ورقة زرقاء , لن أكذب وأخبرك أنني لم أتعجب وقتها. تكاثر الناس في الثواني التالية لإعلان الوظيفة لا تعلم من أين أتوا ولا كيف علموا , ولكن الرجل الواقف أمام العمارة كان فاسداً فاختار من علمه أو من قال له شيئاً معين , فهاج الناس هياجاً شديداً كيف يختاره هكذا بهذه الطريقة الفاسدة ثم بدا لي أن الغضب تحول إلى تجمع صغير يكبر ويهتف ضد هذه العمارة الظالمة التي تركت كل المهندسين الآخرين في العراء واختارت واحداً فقط بالفساد. وعندما هتفوا وتجمعوا وبدَت بداية لمسيرة ضد نظام ال..أي حاجة الفاسد اضطربت الأجواء وظهر لي من اللاشئ صديقي محمد مصطفى! أتحسبني مثلاً سألته " انت بتعمل ايه هنا ؟! " لا والله ما سألته , بل ذُبنا في المشهد تماماً وأكملنا جري وسط الجموع لأنهم قالوا أن هناك قنبلة للغاز تطير ورائنا , وأحد الرفاق وجد واحدة في وسطنا , وعَلِمنا وقتها أن مركبات الجيش على بُعد أمتار واجهت المتظاهرين وها هي قنبلة أخرى تطير من فوق رؤوسنا , توترت وكان يجب أن أجد مهرباً بأي شكل! فأنا لا أطيق أن أكون أنا وهذا الغاز المُريع في هواءٍ واحد , ظللنا نجري أنا ومحمد حتى قال جُملةً لا تناسب أي شيئ " عايزين حمّام " .. لا أعلم لماذا اختار الحمّام ليكون ملاذه الآمن , كان من الممكن أن يقول " عايزين محل , شارع , تاكسي , .." أي شئ نستطيع من خلاله الهرب , ولكن ليكُن , وكنا في هذه اللحظة نجري في عرض الصحراء وقد تبدد الناس , ووجدنا أمامناً باباً يبدو لوساخته أنه حماماً فحمدنا الله ودخلنا , وفي غمرة رضانا بأننا هربنا منهم , دخل الحمّام مجموعة من عساكر الجيش وقد اكتشفنا للتو أنه حماماً تابعاً للقوات المسلحة , فأشار لي محمد بسرعة أن أتنكّر وبدا لي ماسكاً في يده بدلة عسكرية لا أعلم من أين أتى بها ينوي لبسها لكي لا يكتشفه العساكر , يا للعبط يا محمد! المهم أنني خلعت أول شئ كنت ألبسه والذي اعتقدت أنه سيعبر عني , أما الثاني الذي علَي - والذي يشبهه فلن يعبر بالطبع! ولكي أداري الفضيحة وقفت أمام المبولة أمسك في يدي هذا الرداء وأداريه كأني أفعل مثلهم أمام المبولة , ولكنّهم اكتشفوا أمرنا , ولا تسألني كيف جرينا من بين السرايات ووقعنا في فخ الجيش في مدينة نصر! أخذونا ومشّونا في المنشآت الكبيرة والطُرقات الطويلة إلى أن حبسونا في مكان واسع لا يشبه سجوننا , ثم جائنا عسكري يقول أننا سنجلس في هذا المكان ثلاثة أيام عقاباً ولكن سيُسمح لنا بالاتصال بأهلنا لطمأنتهم مثلاً. فرحنا بالحديث وجلسنا. بعدها سمعنا أخباراً أن السيسي سيأتي بعد قليل , بل جائني أحد الرجال وقال لي أنك ستكون ممن سيقابلون السيسي! كيف اختارني ؟ وهل أنا من الحظ العظيم لأكون ممن سيقابلونه ! وأنا المسجون! ظللت أفكر أنا ومحمد في هذا الكلام الغريب وماذا سأقول للناس الذين يعلمون كُرهي له ؟ ثم استغربت كيف سأقابل السيسي بعد دقائق ولم يتم تفتيش البنطلون الذي أرتديه ! وماذا سيكون الأمر لو كان في جيبي سلاحاً ! تأسفت حقاً! بعدها بقليل سألت عن سبب أنني سأقابل السيسي فأشاروا لي على السيسي وهو قادم من بعيد ومعه نساء من حقوق المرأة هم من أشاروا له نحوي , فَسَكَتّ. جائني بعدها المُصوّر - وهو نفس الرجل أو يشبهه - وطلب التصوير فقُلت له " مُمُكن "فصوّرني صورة مثل التي صورها لي عبدالرحمن الشامي من أسابيع قليلة وعلى نفس المسافة ولكن في طرقة مختلفة , ثم ظل هذا المصور والمصورة زميلته يصوروننا من زوايا وأوضاع مختلفة حتى ضحكنا من فرط الهبل وقُلنا لبعضنا البعض : " سيلفي السجن! " . كان محمد مصطفى يسألني ماذا سأفعل عندما سأكون أنا والسيسي وجهاً لوجه ؟ هل أستطيع أن أخبره أنه قاتل ؟ هل ستتكلم في قضايا الإصلاح ؟ وتسائلنا تساؤلات كثيرة عن هذا الوضع المقلوب الذي انغمست فيه بلا حول وماذا سيكون موقفي بعد ذلك. بعدها بقليل - وقد كنت واقفاً وسط الرتب والعساكر في انتظار الأخبار - قالوا أنه على وصول فأشار لي الضابط أن اصمت سيقولون التحية , وقد كانت تحية مثيرة للضحك تتكلم عن عمل الجيش المكتبي في القصر وكيف أنهم يدبّون بأرجلهم على الأرض فتُخرج الأرض ناراً وأشياء من هذا القبيل والهبيل , ضحكت في سري وتابعت. دخلت فرقة موسيقية طويييلة تعزف تحية الجمهورية للقائد ثم دخلت مجموعات عظيمة من الضباط والعساكر وفي وسطهم السيسي وقد شاب رأسه! رأسه الذي كان عاديّاً منذ قليل! يبتسم للناس في هدوء العجوز. بعدها جاء وقت الاجتماع وجلس السيسي بالبدلة العسكرية - مظهر 30 يونيو - وحوله الناس وجلست أمامه وحولي محمد ثم بدأنا الحديث وقد تغير الوضع , فصار السيسي جالساً على الكنبة على يساري وعلى يمينه محمد وأنا على الكنبة في المقدمة - من مشهد المُشاهد الذي هو أنا. دار الحديث طويلاً - دقيقة أو دقيقتين - أخبرناه فيها أنه لا ينفع أن تكون نسبة المشعارف إيه 17% فقط وأنها يجب أن تزيد. بعدها استأذنتُ من الاجتماع وتركت محمد وفي طريقي للمنزل كنت أضحك بيني وبين نفسي على الذي حدث وأقول ماذا سيفعلون عندما يعلموا أنني جلست مع السيسي وبيني وبينه أربعة أمتار ؟ ونويت وقتها أنني عندما سأذهب للبيت سأكتب منشوراً طويلاً مثل هذا لن يصدقه الناس , فكأنه حلم! وأنني سأرفع صورتي أنا ومحمد مصطفى ( سيلفي السجن ) لكي يتأكدوا مما حدث! ولكن بسرعة هائلة وجدت أن الخبر قد نُشِر : السيسي يقابل عدداً من الشباب. ومرفق بالخبر صور الشباب الذين قابلهم وفي مقدمتهم صورتي التي كُتب اسمي تحتها بالخطأ " مُمكن هيثم " كأنها كانت جُملة تقريرية : " ممكن هيثم يبيع " , أو سؤالاً : " ممكن هيثم يبيع ؟ " "وكانت هي تماماً صورتي الأخيرة لعبدالرحمن الشامي , وروّحت فوجَدت الزُمر ينشر الخبر ولا يصدق أن الهيثم الذي طالما نظّر وأشعر وهتف جلس منذ قليل في مقابل السفّاح.

وعندما فتحت عيني , أدركت أنه كان حلماً فعلاً! ولكنني تمسكت بكتابته كأنني لم أقم وبنفس الصيغة التي كنت سأكتبها في الحلم.

ولكنني - عزيزي القارئ - لا أريد أن أتركك في غياهب الأسئلة التي تعصف برأسك من بداية قرائتك إلى الآن , وسألتقط من القصة بعض المشاهد التي استعصت على فهمك لتكون بعدئذ متماشية مع بعضها البعض :

" وكنا في هذه اللحظة نجري في عرض الصحراء وقد تبدد الناس , وهبط من السماء حمّاماً مثل الذي طلبه مُحمد , فقد كان يُصدق الآن أكثر من أي وقت آخر في قانون الجذب الذي يجعل الكون يتضافر لتحقيق ما تُريد , أنّه قرأ كتاب " The Secret " قبل أن يأتي مباشرةً "

" فأشار لي محمد بسرعة أن أتنكّر وبدا لي ماسكاً في يده بدلة عسكرية هبطت عليه من سماء الحمّام يتأملها ينوي لبسها ولكنها لم تنزل على مقاسه ففُضِح الأمر! "

" لِهول المشهد تقاربت الأماكن , أو توقف الزمن , أو طِرنا على جناح طيّارة , أو نسينا الوقت ونحن نجري , فوصلنا من هنا إلى هناك! "

" بعدها استأذنتُ من الاجتماع وتركت محمد بنذالة لا مثيل لها , ولا أعرف طريقه حتى الآن , بل أنني لا أعرف لماذا استأذنت , ولكنني ألاحظ الآن بالإضافة إلى أنني لا أعرف مصير محمد , فأنا لا أعرف مصير المترو الذي أركبه , لأنه يطير في الفراغ ".

هكذا , عزيزي القارئ , استطاعت الفانتازيا أن تكون أكثر منطقية , أن تُصلح ما أفسده العَبَث.

***

فانتازيا الثورة : الملحمة السابعة
أو قصة اختفاء شابّين أطالا النظر في المرآة المقعرة 

الأربعاء، 10 ديسمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة السادسة

*يظهر من بعيد صوت يعلو شيئاً فشيئاً ليدخُل عالَمه من باب الأُذن قبل فتح أبواب العين*
0- متباعة متباعة..
باالاادي
0- اصحوا يا جمااعة
باالادي
*ينتبه*
1- فيه ايه ؟
2- لا دول بيهتفوا نام انتَ مفيش حاجة.
1- قشطة.
*يغرق في النوم وقد عَلِم أنه ليس ضرورياً أن يستيقظ الآن ولا حاجة*
*بعد دقائق*
*يخترق الصوت أذنه من جديد*
0- متباعة لمين؟!
باالااادي
0- اصحوا يا نايميين!
باالا...*يقطع شراييه وتخفُت الأصوات وينتهي في صمت*
***
*بعد اسبوع - مستشفى القصر العيني*
*يشعر كأنما فارق العالَم مائة عام , تصل إلى سماعه أصوات متداخلة لبشر وأجهزة , يحرّك حدقته دون أن يفتح عينيه خوفاً من هول المشهد , ثم يفتح شيئاً فشيئاً*
3- فتّح !
4- فتّح !
5- فتّح يا دكتور !
2- حمدالله عالسلامة يا مصري , كدة تقلقنا عليك! حد يعمل كدة برضو!
6- خلاص يا جماعة مصري بقى زي الفل وممكن يخرج بكرة.
3- بجد يا دكتور؟!
6- إن شاء الله , ولا إيه يا مصري؟
*يتكاسل*
1- إن شاء الله يا دكتور.
***
*بعد يوم - سرير المُستشفى*
*يفتح عينه على هدير كبير يأتي من الشارع ويدخل له عبر النافذة*
*يصيخ السمع ليتبيّن الأمر*
" قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك .. خُد بنصري نصري دين واجب عليك "
*يشعر بأن الطاقة عادت لجسده من جديد*
*ينتبه فيجد صوت سيد درويش وقد اختلط بصوت الناس*
*لا يفهم*
***
*بعد دقائق - شارع القصر العيني*
*ينظُر مصري فيجد الجموع وقد سدّت شارع القصر العيني أولها لا يراه وآخرها تتجاوزه بقليل , باتجاه ميدان التحرير*
*يُردد الناس : قوم يا مصري , مع صوت سيد درويش الذي يأتي من شرفة أحد الجيران في الشارع وقد علّاه على آخره ليُلهب حماس الثوّار*
*يقول : لبّيت النداء*
*يسير مع الجموع ويتجاوزهم إلى الأمام كلّما غنّى فنان الشعب*
" يوم ما سعدي راح هدر قدام عينيك
عد لي مجدي اللي ضيعته بإيديك "
*يتقدّم الثوار*
" شوف جدودك في قبورهم ليل نهار
من جمودك كل عظمة بتستجار "
*يتقدّم*
" فين آثارك ياللى دنست الآثار
دول فاتوا لك مجد وانت فوت عار "
*جحافل الشُرطة والجيش والقوات الخاصة تُغلق الميدان والثوّار تقترب*
" شفت اي بلاد يا مصري في الجمال
تيجي زي بلادك اللي ترابها مال "
*كلما تقدم الناس , زاد الحماس , وعلا الصوت حتى غلب صوت الأغنية*
*يستمر مصري في التقدّم ليُصبح فجأة في مقدمة الثوار جميعاً , أمام الجيش مُباشرةً*
*يُلقى نظرة على جنود الجيش وفوّهات الأسلحة المشهورة , تتبعها نظرة أخيرة إلى الجموع القادمين من خلفه , تختمهم جميعاً نظرة إلى صدره العاري وقد اخترقه الرصاص بعد إصدار الأمر , ينظر إلى ميدان التحرير , ثم يقع وينظر إلى السماء , يسكُت صوت الثوّار لحظة قبل التقدم , لحظة استمع فيها مصري إلى كلمات الشيخ الآتية من بعيد*
" مصر جنة طول ما فيها انت يا نيل
عمر إبنك لم يعيش أبدا ذليل "
*يموت*
***
* فانتازيا الثورة : المَلحَمة السادسة *

الأحد، 14 سبتمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة الخامسة



في عام 2019 , ظهر في الأفق محل يدعى Dogs Control , والذي ترجمته " الكلاب تحكُم " , لم يكن في الأمر ريبة , فقد كان محل صغير يبيع الكلاب تأسس في 3 يوليو 2017 , ولكن الغريب في الأمر , هو الصيت الذي حققه هذا المتجر في شهور معدودة , ففجأة ضجّ الفضاء الإلكتروني بكل الأنواع من الكلاب التي يستوردها هذا المتجر , وفجأة وجدنا إعلاناته على الشاشات وفوق الكباري وفي الميادين المهمّة , وقد أصبح مبنى قائم بذاته يأتيه الناس من كل حدبٍ وصوب يشترون الكلاب والحيوانات الأليفة المختلفة بعد أن وسّع نشاطه , ثم افتتح فروعاً في أنحاء كثيرة من القاهرة الكبرى والمحافظات المهمّة.

في يوم 2 مايو 2020 , فوجئ الناس بمسيرة حاشدة من الثوريين , لا يعلم أحد من أين جاءوا ولا كيف نظّموا أنفسهم , وقد كانت الفعاليات الثورية خمدت تماماً منذ 25 يناير 2015 , حتى النظام نفسه ذُهل كيف يجرؤ أحد على النزول مرة أخرى , ذهبت قوات الأمن المركزي سريعاً إلى مكان المسيرة , ولكنهم رأوا ما لم تصدّقه أعينهم , فقد كانت المسيرة متحركة في شارع طلعت حرب , من دار القضاء العالي , باتجاه ميدان التحرير , وفي مقدمة المسيرة بأعدادها الضخمة , عدد مماثل من الكلاب!

" الكلاب تحكم " : منظمة سريّة تأسست في يوليو 2017 تحت غطاء تجاري تهدف لقلب نظام الحُكم , وقد اجتذبت أعداداً كبيرة الثوريين المُحبطين تحت لواء فكرتها الغريبة , الصادمة , في غمرة تعاملاتها التجارية واتسّاع شبكة المتعاملين معها من الشباب وصورها في كل الشاشات والشوارع , إذا كنت ثورياً فلتأخذ كلباً مجاناً , ولكنّك من الآن عضو معنا في المنظمة , تتبع نظامها الصارم وتحركاتها بدقة تامّة وحرفية فائقة. كان هذا بنداً من بنود ورقة الشروط التي يمضيها الثوري للالتحاق بالمنظمة بعد إجراء العديد من الاختبارات التي تثبت عدم انتمائه للنظام من قريبٍ أو بعيد.

المسيرة تتحرك , والكلاب من أمامها , والشرطة تقف في ذهول , والثوريون يكسبون الوقت المُهدر في فرق الفِهم بين عساكر الأمن , ويتقدمّون , ثم يقتربوا , ثم يأمر اللواء : أطلقوا الناااار!

لم يكن صعباً على الثوريين الهروب من رصاصات النار , ولكن الصعب , كان اختيار عساكر الأمن المركزي بين الأمرين : إمّا أن يستمروا في إطلاق النار ثم تأتي الكلاب فتأكلهم , أو أن يهربوا من هذا الموقف الجديد , ويستطيعوا تبرير ذلك فيما بعد بعدم التدرب على هذا الموقف. كانت أقدام الكلاب أسرع من تتابع الرصاصات الطائشة التي أصابت بعض الإصابات وأردت البعض الآخر من الكلاب , كان إطلاق النار هو إشارة بدء الكلاب في الجري نحو العساكر بكل سرعتهم .. هرب العساكر , وهرب الظبّاط , وهرب اللواء , ثم بقى في ميدان طلعت حرب عدد 6 مدرعات غاز , و4 سيارات للترحيلات , و5 مدرعات مدرعة ( من كلاسيكيات الجيش ) , و10 بنادق غاز , و150 قنبلة غاز مسيل للدموع , و20 بندقيّة خرطوش , و35 سلاح آلي , و400 رصاصة خرطوش , و800 رصاصة حيّة , وكانت غنيمة اليوم الأول , وقد استُكملت المسيرة ( المسلحة ) إلى ميدان التحرير , يهتفوا ويغنّوا , ثم أطلقت النيران في الهواء للإحتفال , ثم تفرّقوا كلٌ مع كلبه , وفي يده سلاحه الأثير.

كانت هذه الجولة ضربة قاصمة على ظهر النظام الذي ظن أن لن تغلبه غلبة , وقد ظلّت وزارة الداخلية أيام في سهر مستمر , يجتمعون ويبحثون الحالة الجديدة , ثم يقترحون الحلول , والجميل , أن المنظمة كانت تتيح لهم تجربة الحلول على الأرض , لتُثبِت لهم فشلهم وخيبتهم أمام الجمهور , ففي كل مرّة كان يُعلن على الشاشة أن الخبراء الأمنيين والاستراتيجيين تمكنوا من إيجاد خطّة لعدم تكرار مأساة مايو , نزلت المنظمة السريّة للشارع لإثبات أن لا شئ سيمنع تكرار المأساة.

بعد المرّة الأولى , جربّت وزارة الداخلية تكثيف القوة و فتكها , ولكن في كل مرة كانت الكلاب تهزم كل الخطط وتُنسي العساكر كل توصيّات الوزارة بالثبات , فتخسر المنظمة القليل من الأفراد والكلاب , وتخسر الداخلية الكثير من الأسلحة والمركبات والذخيرة وحتى خوذ ودروع وعصي الأمن! كانت مهزلة! كانت الوزارة في عين الشعب كالخُرم الذي لا يُسد.

قرروا تغيير الخطّة , ومحاربة التقدم الثوري بالعِلم , فجائوا بأعداد ضخمة مماثلة من الكلاب , على أمل أحد الأمرين , فالكلاب إما ستهرع تجاه الثوريين فتفتك بهم وتُرهبهم بمثل ما يرهبوننا , أو ستهجم على الصف المقابل من الكلاب , فتتيح للقوات الفرصة لفشخ الثوريين المسلحين بأسلحتهم , ولكنّهم عادوا بخُفي حُنين , لم تستطع كلاب الداخلية التحمّس للثوريين الذين يبعدون عنهم كل تلك المسافة , وبالأخص لأن هذه الكلاب أمامهم , وبطبيعتهم , لم يكون الكلاب جاحدين لهذه الدرجة , لكي يفتكوا بأنفسهم من أجل بني البشر , فقط , ولمدة ساعة , ظل كلّ من الفريقين ينظر للآخر , الثوريون المسلحون إلى عساكر الأمن , والكلاب التي تحكُم إلى كلاب الداخلية.

ثم غيّروها مرّة أخرى , فأتوا بكميّات هائلة من اللحم , ووضعوها في الشارع أمامهم , حتى تنفتح لهم الفرصة فيحطّوا على الثوريين حطّاً شديداً , وخابوا مرةً أخرى ليست بأخيرة , فقد كانت المنظمة تُطعم الكلاب طعاماً كثيراً قبل العمليات الخطيرة , لئلا يدخلوا لها من هذا المدخل السهل.

لم يكن من الصعب على النظام التوقّع بأن تنزل المنظمة إلى الشارع في يوم 3 يوليو 2020 , ذكرى تأسيس منظمة " الكلام تحكُم - Dogs Control " .. تأهبت وزارة الداخلية ووزارة الدفاع والمخابرات العامة والأمن الوطني وماسبيرو وكل الجهات التي تمثّل أعمدة النظام المنيعة , والتزموا أقصى درجات الاستعداد , وضعت القوات المسلحة عدداً من الأسود حول وزارة الدفاع , ووضعت وزارة الداخلية عدداً من الغوريلات أمام ماسبيرو , ثم انتبهت المنظمة للاستعدادات المُعلنة في وسائل الإعلام , واتصلت بكل أفرادها , دقّت ساعة الصفر , المجموعة (ش) في المكان 74 , المجموعة (ح) في المكان 1312 , ابدأ.

من الذي ينتصر : القوة أم العقل ؟

كانت منظمة " الكلاب تحكُم " السريّة المسلحة حريصة دائماً على ضم العلماء والمهندسين والأطباء البشريين والبيطريين , لضمان اليد الأعلى في كل حركة ضد النظام الذي يطلق يده قبل أن يفكر بعقله , وقد كان.

في تمام الساعة السادسة مساءاً وصلت المجموعة (ش) [شمس] إلى المكان 74 [وزارة الدفاع] , وفي الناحية الأخرى من المشهد , وصلت المجموعة (ح) [الحرية] إلى المكان 1312 [ماسبيرو].

أمام وزارة الدفاع , زأرت الأسود مع ظهور الثوريين وفي مقدمتهم الكلاب والأطباء المسلحين والمهندسين ذوي الخراطيم .. كانت هذه هي الإضافة غير المفهومة لدى قوّات الجيش أمام الوزارة , عندما بدا الشر في عيون الأسود , أطلق البيطريون الإشارة , كانت الخراطيم في يد المهندسين تنز أنهاراً من العسل أغرقت الأسود , وكانت الأسلحة في يد الأطباء تطلق الآلافات من النحل على أجسادها , وعندما تلاهت الأسود في العبث مع النحل المميت , اقتحم الثوريون وزارة الدفاع بالطريقة نفسها , ثم أخرج القائد اللاسلكي من جيبه وقال : " غنّي الحرية دي أجمل غنوة في الوجود , حوّل "

أمام ماسبيرو , صرخت الغوريلات مع رؤية جيوش الثوريين والكلاب , خافت قليلاً , ثم دبدبت على صدورها دبيباً صاخباً , وعندما همّت بالهجوم على الحشد , ظهر في وسط الناس المئات من الأطباء البيطيرين ذوي البلطو الأبيض , يُرفعون فوق الأعناق , ثم يرفعون قروداً وليدة فوق أذرعهم , تبكي وتضحك. وقفت الغوريلات في ذهول , وكادت تبكي , لولا أن أطلقت إليهم القرود الصغيرة , فحملتها إليها وظلّوا في لعبهم يتلهّون , واقتحم الثوريون ماسبيرو بالطريقة نفسها , ليلقوا على الجماهير البيان الكلابي رقم (1) بتاريخ 3 يوليو 2020 , وفي طريقه إلى الهواء , تذكّر قائد المجموعة الثانية شئ , وما أن أخرج اللاسلكي من جيبه حتى سمع الإشارة وقال : " شمس الحرية اتولدت ولا يمكن تموت , حول;) "

***

في 2 مايو 2017 , جلس عماد عبدالعظيم إلى شاشة اللاب توب الخاص به , يشاهد بعض اللقطات المصوّرة لأحداث العبّاسية على موقع YouTube , لم ينس عماد هذا اليوم في حياته , حتى لو نسى الشعب كله ونسى الثوريون , لم ينس هو , كان عماد هو الشابّ المسحول المضرج بالدماء الذي ظهرت صورته على مواقع التواصل الاجتماعي يوم 2 مايو 2012 , كان الضرب الذي تلقّاه عماد في هذا اليوم كافي ليُشعره بقية حياته بالوجع والمهانة , وفي مثل تلك اللحظات , كان محمد يستعيد الثورة في داخله بالأغاني الثورية التي كانت الميادين ترقُص وتغنّي بها أيام الثورة حتى أيام الرمق الأخير في 2015 , لم يعد هناك ميادين للغناء والهتاف , أغلق عماد باب غرفته من الداخل وأغلق كل النوافذ ورفع صوت السمّاعات الضخمة إلى آخره , واستمع إلى أغنية " شيد قصورك " للشيخ إمام , يُغنّي بعلو صوته , ويقفز على السرير بكل طاقته , ثم يعيدها المرة تلو الأخرى دون أن يفقد الطاقة والحماس :

" شاااااااييييييييد قصووووورك عالمزاااااااارع
ميييييين كادييينااااا وعامااااال ايدييييييييناااااا
والخامااااارااااات جاامب االماصااااااانيييييع
والسييييييييجن مطرااااااح الجينيييييييينااااااا

*يصرخ*

وااااااااطللييييييق كييييلااااااابااااااك في الشاااااواااااااااريييييع
وااااااقفييل زااااااانااااازييييينك عاااااالييييييين..."

*يصمت*

*يتوقّف عن الغناء والرقص كأنما تذكر شيئاً .. وما الشئ الذي لن ينتظر بقية الأغنية؟*

*يعيد الأغنية مرّة أخرى لكي يتأكد مما سمعه*

يُنشد الشيخ أمام وأحمد نجم :

" شيد قصورك عالمزارع
من كدنا وعمل إيدينا
شيد قصورك عالمزارع
من كدنا وعمل إيدينا
والخمّارات جنب المصانع
والسِجن مطرح الجنينة
والخمّارات جنب المصانع
والسِجن مطرح الجنينة
وإطلق كلابك في الشوارع
وإقفل زنازينك علينا

* يتحمس نجم*

" وااطلق كلااابك في الشوااارع~..."

ينبعث ضوء جديد من عيني عماد عبدالعظيم , ويهمس : والله فكرة.

*فانتازيا الثورة : الملحمة الخامسة*

السبت، 13 سبتمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة الرابعة

في عام 2017 , وقد تم وأد جميع الثورات العربية وتحطيم فروعها واقتلاع جذورها , استضافت مصر جامعة الدول العربية , في احتفالية كبيرة أقيمت في ميدان التحرير يوم الأحد 17 ديسمبر 2017 - الذكرى السابعة للمؤامرة التونسية , إذ كُتِب في التاريخ المكتوب في مناهج الطلاب : أن المؤامرة التونسية هي التي أعطت إشارة البدء للمؤامرات الأخرى لتشتعل في الدول المجاورة بالتتالي كحركة الدومينو , بمغالطة تاريخية تداولها العامّة بأن البوعزيزي أحرق نفسه , لم يعلم المتآمرون أن البوعزيزي في آخر أيّامه كان قد فقد إيمانه بالله وألحد , وأدّى هذا به إلى كثيرٍ من التصرفات الغريبة , والتي كان آخرها هذا الحادث المؤلم , رحمه الله لو عاش كان أعلن تأييده للنظام على مرئى ومسمع مدّعين الربيع العربي - ذهب أوان الربيع العربي وجاء أوان الخريف القبيح , يُذهِب كل جمال على وجه الأرض , لا مكان لأخضر , ثم انقلب الأمر كلّه فحلّ بالدُنيا الشتاء العسكري , بعواصفه التي تُهدّم البيوت , وغازاته التي تقرص الأجساد , وسماءه الملّونة بالحُمرة البغيضة.

بدأ احتفال جامعة الدول العربية بعنوان " مؤتمر الدعم العربي-العربي ضد المؤامرات والإرهاب " بحضور قادة الأنظمة العربية قاطبة , وجحافل من جنود ومركبات الجيوش العربية على أطراف الميدان , وبدأت فقرات الحفل بمتابعة مراسم إعدام آخر متآمر في الأراضي العربية.

القاضي : " العالم كله يراك , أمامك دقيقة واحدة تدافع فيها عن نفسك , بعدها تُعدَم. "
المتآمر : " فتحت عيني على الفقر والجهل والفساد فلم أتكلّم , مات أخي في سجون التعذيب في مصر , واغتُصِبَت أختي في سجون بشّار , وماتت أمي من الحسرة على أبنائها الذين قُتلوا في مذبحة تعز اليمن , وقُتل أبي على يد مرتزقة القذّافي في مصراتة , وتُريدونني أن أسكُت ؟ من بقى لي لكي أسكن إليه وألجأ إلى حضنه عندما يشيح عنّي وجه الوطن ؟ وعندما تكلّمت , أهانوني وعذّبوني وذبحوهم أمام عيني , كنت أنظر إلى إخوتي والسكاكين فوق أعناقهم فأقول لهم بعيني " سألحق بكم في الجنة " , تجففت في عيني الدموع , قالوا لي : فلتُحضّر نفسك للغد يا بطل , ستكون آخر متآمر في بلادنا , ويضحكون , فأتذكّر قول الله تعالى في سورة الزخرف : { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ } , وتهدأ نفسي مع ذكر الله .. أنا لست هُنا لكي أدافع عن نفسي , لا أريد أن أعيش في هذه الغابة الموحشة , كل من عِشت لأجلهم ذهبوا وتركوني هنا , امكثوا في هذه الديار البالية أيها الطاغون , أتشوّق لرؤية إخوتي , اعدموني الآن , بسم الله الرحمن الرحيم : { ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } صدق الله العظيم "

وتم إعدام آخر متآمر في الأراضي العربية وسط تصفيق من الجمع المُعظّم وتحيّات وتبادل للكؤوس والضحكات أعقبهم موسيقى عسكرية عزفتها الجيوش العربية احتفالاً بالحدث.

في فقرة أخرى من الحفل , كان الاستعراض العسكري للجيوش العربية وإجراء المناورات التكتيكية النوعية على نماذج المؤامرات التي تدرّبوا عليها كثيراً في السنين الفائتة , بدأت باستعراضات فردية للجيوش ثم بدأت المناورات وأشباه المعارك , وتقسّمت هذه المناورات لمراحل مختلفة , ففي المرحلة الأولى جاءوا بمجموعة غير مسلحة من المدنيين ووضعوها في شارع من شوارع وسط البلد , ثم كان دور الجيش المصري أن يطلق عليهم الغازات المسيلة للدموع , ولكن عندما أطلقت الغازات المسيلة للدموع وسط هذه المجموعة , لم يتحرّك أحد .. ارتبك الحضور , وارتبك منظمي الحفل , وكان مكبّر الصوت يدوّي هنا وهناك : " الناس مابيجروش لييه ؟ " ثم تأهبت الفرق الأمنية الخاصّة التي تحرس رؤساء الدول لشعورهم بالخطر , وارتعب القادة , ماذا يحدث ؟!! لماذا لم يجري المتظاهرون كما هو متوقع ؟! , وحقّهم أن يخافوا ففي هذه اللحظة حياتهم التي ينعمون بها الآن على عرش البلاد , لحظة المقاومة العكسية , فإذا جاءت المقاومة العكسية بما لا تتوقع أنظمتهم , ارتبك النظام كله.

" فيه ايه يا مجدي ؟ الناس قلقت هنا وعمّالين يقولولي كلام مش حلو , خلصّني يا مجدي " كان هذا صوت الرئيس مبارك يُكلّم مجدي الحدّاد منظم الحفل , " مفيش يا ريس كله تحت السيطرة خلاص " , " اومال ايه اللي حصل ؟ " , " منظم المجموعات الغبي حطِلنا السوريين بدل المصريين , السوريين مابيجروش من الغاز المسيل يا فندم ".

" نعتذر عن الخطأ الفني , يُرجي الهدوء " .. عاد الناس إلى أماكنهم مرّة أخرى وعادت القلوب في أحشائها ثانياً , ثم تم استئناف الاستعراض , فكانت المعركة الأولى بين الجيش المصري والمتظاهرين المصريين , يضربهم الجيش بالغاز المسيّل للدموع فيهرب الجميع إلا خمسة يتشجّعون ويقذفوا دبابات الجيش بالطوب , فتقترب الدبّابات , فيهرع الجميع , في اختفاء تام.

المعركة الثانية : الشرطة التونسية تفتح النار على المتظاهرين التونسيين.

المعركة الثالثة : كتائب القذّافي تهجم بالرشّاشات على الثوّار المسلحين وتسفر المعركة عن قتلى في الجانبين.

المعركة الرابعة : بلطجية علي عبدالله صالح يعتدون على مسيرة ضد النظام بالرصاص الحي.

المعركة الأخيرة : دبابات الجيش السوري تحاصر حي وسط البلد وتقصف المتظاهرين بالطيران وتُطلق 40 صاروخاً باتجاه الحي مما يؤدي إلى قتلى بالمئات ودمار شامل.

في فقرة أخرى من الحفل , جاء دور قادة الأنظمة العربية المنتصرة للحديث , فكان كل منهم يذكر مفخرته في بلاده وكيف استطاع أن ينتصر ,
فقال زين العابدين : أخذت مالهم وهربت!
وقال مبارك : وكّلت جيشي وهو قام بالواجب , كان هياخدها الأول بالنسيان ماعرفش , ففكرنا نطلّع حد من اياهم يحكم حكم صوري كام يوم يكره الناس فعيشتها فيرجعوا يقولوا ولا يوم من أيامك يا مبارك , أومال!
وقال بوتفليقة من خلال الفيديو كونفرنس : قذفت في قلوبهم الرعب.
وقال عبدالله صالح : حاولت اقعد كانوا هيحرقوني , أمنت نفسي ونفذت بجلدي , وحبايبي كتير.
وقال البشير : قمعتهم وأفقرتهم وقسمتهم.
وقال بشّار : قتلتهم وشرّدتهم والإرهابيين كمّلوا.
وجاء دور ليبيا , انتظر الجمع أن يسمع شيئاً , لدقيقتين لم يسمعوا شئ .. نَظَر اللواء خليفة حفتر إلى أعلى , وعينه تفيض بالدموع , حيث كانت روح القذّافي تُرفْرِفُ في المكان.

*فانتازيا الثورة : الملحمة الرابعة*

فانتازيا الثورة : الملحمة الثالثة

لسخرية التاريخ , اكتشفت الشعوب العربية كلها شيئاً لم يكن كأي شئ حدث أو سيحدث , استيقظ العرب يوم الأربعاء 1 ديسمبر 2010 , وقد ادركوا أنهم كانوا يحلمون.

في تونس , استيقظ 164 شابّاً تونسياً في عمر الزهور , وقد حسبهم الناس شهداء , استيقظوا وذهب هذا لعمله وفكّر ذاك في حلمه , وبرأ جسد البوعزيزي من النار , ثم وقف في ناصيته يبيع الثمر , وفي شاشة المقهى زين العابدين بن علي يقدّر حب الشعب وثقته.

في مصر , فتح 5231 شهيدٌ عينه على الحياة , وكانت كلمة مبارك في مجلس الشعب المنتخب , تهز قلوب المصريين , وتملأ أيديهم من التصفيق.

في ليبيا , عاد 6600 شهيد من المدنيين والعسكريين إلى بيوتهم , كُلٌ يدور في دوائره , والقائد العقيد من فوق الجميع , يدور في دوائره الخاصّة , ويُكلّم الناس من ذاته العُليا , إلى ذاته السُفلي.

في سوريا , وُجِد 114466 شهيداً فجأة بين أهليهم , وبشّار يُعلن للأمة العربية وقوف سوريا في حلف الممانعة والمقاومة , شامخة , قوية , والجماهير من تحته تهتف في نغمةٍ واحدة : منحبّك.

أغلق أدمِن ( كلنا خالد سعيد ) الصفحة , وسافرت أسماء محفوظ إلى ألمانيا لتستكمل تعليمها في جامعة هايدلبرج , وسافر وائل غنيم ليصبح مديراً إقليمياً لجوجل في أستراليا , وأغلقت الجمعية الوطنية للتغيير أبوابها , وأعلن محمد بديع مرشد جماعة الإخوان المسلمين في حوار صحفي أنه يؤيد سيادة الرئيس في الترشّح لفترة رئاسية جديدة في سبتمبر 2011 ولا يمانع من تولية ابنه , وأن الجماعة تتفائل بمجلس الشعب الجديد.

في الجامعة العربية , يوم الخميس 16 ديسمبر 2010 , اجتمع الحكّام العرب ليناقشوا العدوان الأخير على غزّة , والذي راح ضحيّته ما يضاهي 2200 شهيد وآلاف المصابين , وبدلاً من ذلك , تناقشوا حول مستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية , فقال زين العابدين :

" نحن شعب تونس الحُر , الشعب يختار قائده ويسير معه في خطى التقدم والليبرالية , أنا أفهم شعبي وهو يفهمني , من لا يستطيع فهم شعبه فهو يهرب من مسئوليته الأخلاقية , وبئس الهاربين "

وقال مبارك :

" الناس في مصر عارفة , عارفة كويس , بس انا كمان عارف , ولو الشعب مساعدكش مين هيساعدك ؟ الشعب بيصبر على أي حاجة ! شعب عظيم ! وانا وعدتهم بآفاق جديدة للديمقراطية في مصر "

وقال القذافي :

" اييه ايه .. انا عارف .. انا اعلم كل هادا .. الشعب يحبني اكتر منكم كلكم .. شوفو جماهير ليبيا .. ليبيا المجد .. ليبيا الثورة ! People are loving me .. هيهيهي "

وقال بشّار :

" تعو شوفو الشعب السوري .. تعو شوفو الحرية والنعيم .. تعو شوفو الجيش المتماسك القوي .. ما يقدر حدا على مس الشعب أو الجيش السوري بكلمة .. سوريا حفظها الله من أيام حافظ الله يرحم روحه .. سوريا أرض السلام والمحبة "

وقال علي عبدالله صالح :

" نحن هنا في اليمن السعيد .. أرض العروبة والقوة .. الشعب يُحب الزعيم ويسير معه أصاب أو أخطأ .. هُنا لا مكان للمؤمرات ولا المظاهرات وهذا الكلام .. هنا القبائل القوية والعائلات المجيدة .. كلها تؤيد الزعيم القائد منذ أيام الثورة .. ومن يعترض فليكتوي بناره .. تعالوا بلادنا لتروا كيف تهتف الشعوب في حُب الزعيم "

وفي الخلفيّة أنشد الشاعر أمل دنقل , صوتاً آتياً من الأزل :

( مزج أوّل ) :
المجد للشيطان .. معبود الرياح
من قال " لا " في وجه من قالوا " نعم "
من علّم الإنسان تمزيق العدم
من قال " لا " .. فلم يمت ,
وظلّ روحا أبديّة الألم !

( مزج ثان ) :
معلّق أنا على مشانق الصباح
و جبهتي – بالموت – محنيّة
لأنّني لم أحنها .. حيّه !
... ...
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الاسكندر الأكبر :
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم .. مرّه !
" سيزيف " لم تعد على أكتافه الصّخره
يحملها الذين يولدون في مخادع الرّقيق
و البحر .. كالصحراء .. لا يروى العطش
لأنّ من يقول " لا " لا يرتوي إلاّ من الدموع !
.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
و العنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى
فقبّلوا زوجاتكم .. إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلّموه الانحناء !
علّموه الانحناء !
الله . لم يغفر خطيئة الشيطان حين قال لا !
و الودعاء الطيّبون ..
هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى
لأنّهم .. لا يشنقون !
فعلّموه الانحناء ..
و ليس ثمّ من مفر
لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد !
وخلف كلّ ثائر يموت : أحزان بلا جدوى ..
و دمعة سدى !

( مزج ثالث ) :
يا قيصر العظيم : قد أخطأت .. إنّي أعترف
دعني- على مشنقتي – ألثم يدك
ها أنذا أقبّل الحبل الذي في عنقي يلتف
فهو يداك ، و هو مجدك الذي يجبرنا أن نعبدك
دعني أكفّر عن خطيئتي
أمنحك – بعد ميتتي – جمجمتي
تصوغ منها لك كأسا لشرابك القويّ
.. فان فعلت ما أريد :
إن يسألوك مرّة عن دمي الشهيد
و هل ترى منحتني " الوجود " كي تسلبني " الوجود "
فقل لهم : قد مات .. غير حاقد عليّ
و هذه الكأس – التي كانت عظامها جمجمته –
وثيقة الغفران لي
يا قاتلي : إنّي صفحت عنك ..
في اللّحظة التي استرحت بعدها منّي :
استرحت منك !
لكنّني .. أوصيك إن تشأ شنق الجميع
أن ترحم الشّجر !
لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقا
لا تقطع الجذوع
فربّما يأتي الربيع
" و العام عام جوع "
فلن تشم في الفروع .. نكهة الثمر !
وربّما يمرّ في بلادنا الصيف الخطر
فتقطع الصحراء . باحثا عن الظلال
فلا ترى سوى الهجير و الرمال و الهجير و الرمال
و الظمأ الناريّ في الضلوع !
يا سيّد الشواهد البيضاء في الدجى ..
يا قيصر الصقيع !

( مزج رابع ) :
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان في انحناء
منحدرين في نهاية المساء
لا تحلموا بعالم سعيد ..
فخلف كلّ قيصر يموت : قيصر جديد .
و إن رأيتم في الطريق " هانيبال "
فأخبروه أنّني انتظرته مديّ على أبواب " روما " المجهدة
و انتظرت شيوخ روما – تحت قوس النصر – قاهر الأبطال
و نسوة الرومان بين الزينة المعربدة
ظللن ينتظرن مقدّم الجنود ..
ذوي الرؤوس الأطلسيّة المجعّدة
لكن " هانيبال " ما جاءت جنوده المجنّدة
فأخبروه أنّني انتظرته ..انتظرته ..
لكنّه لم يأت !
و أنّني انتظرته ..حتّى انتهيت في حبال الموت
و في المدى : " قرطاجه " بالنار تحترق
" قرطاجه " كانت ضمير الشمس : قد تعلّمت معنى الركوع
و العنكبوت فوق أعناق الرجال
و الكلمات تختنق
يا اخوتي : قرطاجة العذراء تحترق
فقبّلوا زوجاتكم ،
إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلى الذي تركته على ذراعها .. بلا ذراع
فعلّموه الانحناء ..
علّموه الانحناء ..
علّموه الانحناء ..

*فانتازيا الثورة : الملحمة الثالثة*

الأحد، 7 سبتمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة الثانية

وفي سنة من السنّين , ضاق الشباب بالأمر , لم يعودوا يجدوا ما يعبّرون به عن غضبهم , كُنت أتابعهم من بعيد , عقب إحدى المسيرات الحاشدة , المفاجأة , جاءت قوّات الشرطة , ارتبك الأمر , وعمّت الفوضى , كان التنظيم محكماً بحيث لا تنتظرنا الشُرطة كعادتها في مكان التجمع وميعاده بالتحديد , الشرطة ملتزمة بالمواعيد منذ قفز السيسي على وجه السلطة , لكننا سخرنا منهم في هذه المرّة , أرسلنا رسالات خفية لكل الثوريين في المدينة بأن يتجمّعوا في المكان x والزمان y , لم يكن من السلطة إلا أن تنتظر بالتأهب والإستعداد التام للحركة القادمة , التي ربما سنقوم بها بعد ساعات أو أيام , أو أسابيع , أو شهور , فن استنزاف العدو واللعب بأعصابه , وجاء الوقت , واجتمع الثوريون من أقصى المدينة إلى أدناها في الزمان والمكان الذي حفظناه عن ظهر قلب , وأحرقنا الأدلّة قبل أن يفكّوا الشيفرة , لامست أرواحنا السماء في هذا اليوم , شعرنا يومها بالحرية , الحرية في الهتاف والغناء والتعبير عن الرأي , بل الحرّية التي انتزعناها من يد السجّان الغبي , وفجأة , فجأة! هَجَمت علينا جحافل الأمن المركزي وقوّات التدخل السريع بآليّاتهم وأسلحتهم المخيفة , بدون سابق إنذار , لم يريدوا في هذا اليوم إرهابنا , كانوا يريدوننا نحن! حاصرونا في الميدان ! اعتقلوا في هذا اليوم 4,561 شاب وشابّة , واستطاعت البقية الهرب.

لم يكُن تفكير أي منّا في أي شئ غير الخائن الذي في صفوفنا , الخائن الذي دلّ علينا عند حُرّاس القيصر.

اختنق المجتمع , في كل جماعة من الشبّاب كنت تجد شابّاً أو أكثر من المعتقلين , كانت أشرس الحملات على الإطلاق , ظننا أن انتصارنا يكمن في وقوفنا معاً , واكتشفنا أن وقوفنا معاً هو الذي يُسهّل على العدو الفتك , وظننّا في أنفسنا الذكاء الشديد , فلامونا ونعتونا بالغباء المُستقر.

في المعتقلات , أشعل خمسة نشطاء معروفين الشرارة , أعلنوا إضرابهم عن الطعام لحين إسقاط قانون التظاهر والإفراج عن المعتقلين , في البداية تجاهلوا الأمر , وصمدوا , فَسَخَروا , وصمدوا , فهددوا , فصمدوا , فرغّبوا , فصمدوا , ففزعوا , فصمد الناس , وامتد الإضراب ليشمل مئات السجناء في معتقلات العسكر , استخفّت السُلطة السياسية بالأمر , وانتظروا شهر , شهرين , وتوصّلوا في النهاية إلى أن هؤلاء الضعفاء لن يغيّروا من الأمر شئ , وانصرفوا إلى دولتهم.

بعد أربعة أشهر من إضراب السجناء , مات 37 مضرباً عن الطعام بسبب سوء حالته الصحّية , وعَلِم الناس في الشوارع , والمتحدثين على الشاشات , وارتسمت في الأفق نبرة الغضب والاستياء مما يحدث لهؤلاء " الغلابة المغلوبين " , لم يكن هذا ليؤثر في صلابة النظام , ولكن الذي أثّر , الرسائل الدولية التي عبرت القارات إلى مصر واصطدمت في رأس القيادة الحاكمة , أدانت الحادثة منظمة حقوق الإنسان الدولية ومنظمة العفو الدولية ومنظمة الصحّة العالمية وحمّلت النظام المصري عاقبة الأمر , وصدرت بيانات من الأمم المتحدة والخارجية الأمريكية تطالب النظام المصري بتلبية مطالب المضربين وتلمح له بتخفيف وطأة القمع الأمني " الملحوظ " , وبيانات أخرى من بريطانيا وفرنسا وتركيا وألمانيا ودول أخرى.

اضطر النظام المصري للتنازل لتخفيف " الجو " العالمي والداخلي , وأعلن عن استعداده للاجتماع مع الحركات الثورية والوصول إلى حل للأزمة يتضمن الإفراج عن جميع المعتقلين.

كان في البلاد آنذاك تيّاران مسيطران نسبياً على حركة الشباب في الشارع , وهم : الثوريّون المحافظون , والثوريّون الجدد , وكانوا يناضلون معاً ضد النظام بلا فرق أبداً. عندما أعلن النظام استعداده للاتفّاق , أعلنت حركة الثوريّون الجدد موافقتها على الاجتماع مع القيادة للاتفاق على حل من شأنه إخراج كافّة المعتقلين في سجون العسكر , بينما أعلنت حركة الثوريون المحافظون أنها لم , ولن تضع يدها في يد النظام السفّاح , ولن تساوم على أي حق.

في مؤتمر صحفي عالمي , وقف وزير الداخلية المصرية محمد ابراهيم وإلى جانبه مصطفى المصري قائد حركة الثوريين الجدد , وأعلن :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , تعلن وزارة الداخلية المصرية عن توقيع الاتفاق مع الحركات الثورية المصرية بشأن المعتقلين السياسيين ,
والذي جاءت بنوده على النحو التالي :

1- الإفراج عن كافّة المعتقلين المضبوطين في أحداث سياسية أو أحداث شغب.
2- تُمنَع كافّة أنواع التظاهر , أو الإعتراض , أو التحريض على النظام بطريق مباشر , أو غير مباشر , لمدّة عام من تاريخُه , ومَن يؤتي الأفعال السابق ذكرها في هذا العام , هيطلع دين أمه.
بسم الله الرحمن الرحيم : { وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } , صدق الله العظيم.

بعدها بإسبوع , انتهت جميع الإجراءات , وخرج المعتقلون في احتفال شعبي حقيقي , أقيم خارج السجون التي خرجت منها جموع المحبوسين , فَرِح الناس , وتقرر التزام اتفّاق الصمت , وانتهى الأمر.

بعدها بشهر , نشب خلاف بين ضابط شُرطة وبائع للخُضار في منطقة العتبة , أدّي إلى مقتل بائع الخُضار برصاصة في صدره , على مرأي ومسمع من الناس , على سبيل الخطأ - كما أعلنت وزارة الداخلية سلفاً.

بعدها بيوم , نزل آلاف الثوريون المحافظون إلى الشارع , يطلبون القصاص لبائع الخضار , ويهتفون ضد النظام القائم , في لمح البصر , احتشد الآلاف من الثوريون الجدد , ينادون بإنهاء الفاعلية , صعد مصطفى المصري فوق الأكتاف ومسك مكبّر الصوت وقال : " احنااا اتفقنااا يا جدعااان , مينفعش نرجع في اتفاقنااا , لو سمحتوا ارجعواا دلوقتيي , احنا هنا عشان بنحبكم مش عشان نعاديكم , احنا عدونا واحد بس احنا خايفيين علييكم دلووقتي ! من ضمن اتفاق المعتقلين ان اللي هيعترض هيطلع دين أمووو ! "
لم تسمع لهم جموع الثوريين المحافظين , بل استمرّت في التقدم , حتى بدا الأمر جلياً من الناحية الأخرى من المشهد : جموع مماثلة تماماً , متّشحة بالسواد , مدججة بالأسلحة , مشتاقة للعراك.

هُنا المشهد : شارع قصير , في أوله الثوريون المحافظون ينظرون إلى آخره ويتقدّمون , وفي آخره عساكر وضُبّاط الأمن المركزي ينظرون إلى أوله ويتأهبون , وفي منتصفه الثوريون الجدد ينظرون إلى أوله ويخافون. يتقدم المحافظون , يتقهقر الجدد , يتقدم المحافظون متحمّسين , يتقهقر الجدد قائلين " ارجعووو , احنا بنحبكووو وخايفين عليكووو , أرجووكم ارجعوا دلوقتي متخسروناش أكتر من كدااا " , بعدها بثواني , تلاشت المسافات , تماسّت الجموع , الشرطة إلى اليمين , والمحافظون إلى اليسار , والجدد في المنتصف.

- ارجعوا , لو مشينا من هنا هتتدبحوا
= مش هنرجع , احنا نازلين نعبّر عن رأينا ومحدش هيمنعنا
_ *العسكري ينظُر إليه باستغراب*
- متخلوهمش يشمتوا فينا
= قصدك ايه ؟
_ *العسكري يُعمّر سلاحه*

المشهد التالي : الثوريون الجدد يدفعون الثوريين المحافظين في عكس اتجاه الشرطة , مما يؤدي إلى التحامات في الخط الفاصل بين الجمعين , تتطور إلى التحام كبير بين الحشدين , إلى معركة حقيقية , إلى إصابات , إلى قتلى في الطرفين !

قوّات الشرطة تترك الساحة محتدمة ودامية , وقد جاء الأمر بالإنسحاب , وفي غمرة ابتعاد حشود الأمن المركزي عن ساحة المعركة , ينظُر العسكري إلى الخلف نظرة سريعة , مُختَلَسة .. ويبتسِم.

*فانتازيا الثورة : الملحمة الثانية*

الجمعة، 5 سبتمبر 2014

فانتازيا الثورة : الملحمة الأولى



أستيقظ على أصوات هادرة تأتي من الشارع البَعيد , ما بالي أحِس أنني نِمت نوم أصحاب الكهف , فمكثت يوماً أو بعض يوم ! غسلت وجهي وبدأت أكتشف الأشياء , ظللت واقفاً في مكاني لثلاث دقائق بلا حراك , حتى وقعت عيني بالصدفة على الجريدة المُلقاة على المائدة , إلتقَطْت الجريدة وبدأتُ أقرأ :

الثلاثاء 25 يناير 2022

درجات الحرارة : القاهرة 24 - الإسكندرية 21 - شر....

يا لها من درجات لطيفة , ليست باردةً عاصفة كالإسبوع المُنجلي ..

ماذا - بحق السماء - الذي قرأت للتو ؟!

اليوم ليس الثلاثاء , اليوم السبت ! هل نِمت أربعة أيام !!

...

يا إلهي ؟ كفّوا عن هذه الخِدَع السخيفة وأحضروا لي جريدة اليوم !

أبحث في المنزل , لا أحد .. لا بُد أنني أحلم , صفعت وجهي سبع مرّات , ودَلَقت على رأسي الماء البارد والساخن ثلاثة , وقرصت كل جزء في جسدي , وهرعت إلى الشرفة لكي ألقي بنفسي وأتخلّص من هذا الحِلم اللصيق , ولكنّي صُعقت من هَول المَنظر , وهَجَمَت على رأسي في لحظةً واحدة أشياء صعُب عليَّ استيعابها :

1- هذه ليست شرفة المنزل!

عُدت إلى الداخل لأرى , يا إلهي..

2- هذه ليس المنزل!

لرُبّما بِتُّ عند أحد أصدقائي ونسيتُ نفسي , يا للحرج والسخّافة , لابد أن أرتدي ملابسي سريعاً وأعود فأكلّم صديقي لكي....

3- ليس لي أصدقاء يسكنون في بنايةٍ تطُل على ميدان التحرير.

قرأت كثيراً في الروح وفي الأحلام , ولم تصادفني هذه الحالة المُريبة , المُرعبة , سأجري إلى أن تتحطم عظامي , وسأهرب حتى أبلغ النجوم , وسأفتح عيني إلى أن يُغلقها النوم , أو الموت.

ارتديت الملابس التي وجدتها أمامي وفكّرت أن ألقي نظرة سريعة على المرآة حتى أرى نفسي , ولكني خشيت ألا أراها , ألقيتُ نظرة سريعة على الجريدة وأغلقت الباب :

" الشعب المصري يتمسّك بالإستقرار ويلفُظ كل أنواع الشَغَب والإرهاب "

" اللواء محمد ابراهيم : تمكنّا من ملاحقة 3986 من الداعين إلى التظاهرات على موقع " فيس بوك " وجاري البحث عن البقية "

" ابراهيم : الأوضاع مستتبة في ميدان التحرير , واللي عايز يجرب يقرب "

" المتحدث باسم وزارة الداخلية : 100 تشكيل أمن مركزي على أطراف ميدان التحرير , والقوّات المسلحة تمدّنا بـ 30 مدرعة إضافية وتشكيلات من الصاعقة والقوّات الخاصة "

" حزب تحيا مصر : لا خروج عن الطريق الذي رسمه القائد المُلهم , نطالب كل من يُحب هذا الوطن بالقضاء على الخونة والعُملاء "

" حزب الوفد : ندين بكل قوة محاولات التخريب والخروج عن المسار الديمقراطي الذي اختاره الشعب "

في المِصعَد لم أرى في المرآة إلا عيني التي جحظت من التي قرأته منذ ثواني , وعندما انفتح الباب , سِرتُ كالآلي , وعندما خرجت من البوّابة الكبيرة , أوقعني شابّاً مسرعاً , فأعادني إلى الأحداث مجدداً بعد أن تلاطمت بي أمواج العقل والمنطق والذاكرة.

نظرت يميناً , فلم أرى للناس انتهاء , ونظرت يساراً , فلم أجد للحشود ابتداء , ما الذي يحدُث , هل هي مظاهرة حاشدة دعت لها حملة السيسي للترشُّح لفترته الرئاسية الثالثة ؟ ربما .. سِرتُ قليلاً ونظرت إلى اللافتة الكبيرة بمنتصف ميدان التحرير :

" يسقط يسقط حُكم العسكر "
(!)

, وإلى اللافتة الأكبر على مبنى مجمع التحرير :
" الشعب يُريد إسقاط النظام "
(!!!)

ورُحت أقترب من المنصّة لأسمع :

" النظام اللي نزلنا فوضناه , النظام الخاين , اللي جوّعنا وقتل عيالنا وشرّدنا وخلّانا نشحت من اللي يسوى واللي ميسواش , ضحكوا علينا وقالولنا إخوان , قلنا ماشي , نسيبهم يحطّوا عالناس شوية عشان نستقر وناكُل عيش , فين العيش اللي هناكله يا سيسي ؟! مش عايزين ناكل مصر يا سيسي عايزين ناكُل عيش نضيف من غير أمراض , عايزين عيالنا تكبر من غير فقر وجهل ومرض , إحنا خلاص خدنا على قفانا واتضحك علينا باسم الوطنية , ملعون أبو الوطنية اللي بتدوّقوا الناس بيها الذُل ! ملعون أبو الوطنية اللي بترخّص دم الناس ! دم ! هو انتو تعرفوا الدم ولّا عندكو منّه !

العيال اللي كل يوم تقتلوا منهم ميّات باسم الإرهاب ! من أول ما مسكتوا في 2014 سايبنكوا تدبحوا العيال عشان البلد تستقر ! تعذبّوا في السجون عشان البلد تستقر !

40 شهيد في الاتحادية في 2015
و300 شهيد في تصادم القطارات في 2016
و768 شهيد في أحداث وسط البلد 2017
و215 شهيد في طلعت حرب الأولى في 2019
و340 شهيد في ثورة الأولتراس 2020
و187 شهيد في سفنكس 2021
و579 شهيد في طلعت حرب الثانية في ذكرى محمد محمود 2021

كفااية دم بقى , كفاية عيالنا بتموت واحنا اللي بنقتلهم بإيدينا ! "

هرعت من مكاني إلى أبعد نُقطة عن هذه الرصاصات التي تخترق رأسي , ومررت من جانب مجموعة من الشباب , واستمعت قليلاً :

" انتَ فاتك اللي حصل اللي النهاردة الصبح ياض يا محمد , المنطقة اللي عند المتحف دي كانت كلها , كووولهااا مدرعات , والناس جاية من ناحية الكورنيش ودول بيستعدّوا , والناس من الكورنيش ماتشفش أخرهم يلا يا عمر , ألوف , ملايين , إحنا من ساعة ثورة يناير ويونيو ماشفناش الأرقام دي , كل اللي كنت اقولّه على كميّة العسكر اللي مستنيّنا في الميدان كان يرد عليَّ بكلمة واحدة : " يا روح ما بعدِك روح " , وفيه ناس كانت تقول " ماحناش أغلى من اللي ماتوا " أو اللي يقولك " العمر واحد والرب واحد " , الناس خلاص فاقت يا جدعان , فاقت , ومرة واحدة لما قرّبنا من ناحية عبدالمنعم والهتاف كان بيرُج وسط البلد كلها من كل ناحية " الشعب يريد إسقاط النظام " .. حسّينا ساعتها إننا مش لوحدنا , كان فيه مسيرات كبيرة تانية جاية من عابدين ومن الأوبرا ومن السيّدة ومن طلعت حرب , الناس اتجمّعت كلها في وقت واحد وقرّبت من الميدان , وفي لحظة واحدة يا احمد .. في لحظة واحدة .. الاقيلك ضرب الرصاص نازل على الناس في كل ناحية زي المطر , انا قلت القيامة قامت , تخيل يا محمد ألاف بيجروا في نفس اللحظة , كانت فوضى , بس اللي نجّحنا المرة دي يا عمر إن مش كل الناس جريت , آلاف مؤلفة جريت ناحية العساكر , فتحت صدورها للرصاص , الرصاص كان بياكُلهم أكل وهمّا مكملين , العساكر من كتر القتل اللي قتلوه ايدهم ارتعشت وعينيهم زاغت , وكل ما الناس تقرّب العساكر تتجنن أكتر , وفي لحظة واحدة امتدّت تلت ساعة .. كان العسكر اختفوا من الميدان , والمدرعات اللي داسوا علينا بيها , دُسنا عليها وهيّ رماد , الجثث كانت في كل ناحية , جثث الناس وجثث القتلة اللي خدوا جزائهم في الدنيا وهياخدوه في الآخرة , القتلة اللي ظلموا نفسهم وظلموا الناس .. كانت مدبحة أكتر من أي مدابح شفناها في البلد دي , 6700 روح طِلعِت لبارئها في اليوم ده "

أجري بسرعة نحو البناية العتيقة , حلّ المساء وكنت مذهولاً من عِظَم ما أرى وفظاعة ما أسمع .. صعدّت إلى البيت الذي استيقظت فيه وبحثت عن جهاز التحكم في التلفاز , وفتحت :

" مصادر استراتيجية : ما يحدث هو حرب أدارتها المخابرات الأمريكية في داخل العُمق المصري "

" مصادر أمنية : القبض على 10,300 من المشاركين في الأحداث "

" عاجل : مجهولون يحرقون أقسام القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد وينشرون على واجهاتها المحطمّة عبارة ( ولابُد من يوم معلوم .. تترد فيه المظالم .. أبيض على كل مظلوم .. إسود على كل ظالم ) "

" مرتضى منصور : أنا حذّرت منهم قبل كدة ! لكن محدّش سمع كلام دين أمي ! أنا قلتلكم روابط الألتراس الإرهابية دي هي اللي هتقوّم البلد محدش سمع كلامي ! قلتلهم اقتلوهم كلّهم محدش سمع كلامي ! "

" وائل الإبراشي : لا تخوّفنا كثرتكم أيها الإرهابيين , يامن تعبثون بمقدرّات الوطن , تهينون جيشه , تقفذون على طموح شعبه , هذا الشعب الذي ارتضى حُكم الرئيس القائد السيسي إلى الاستقرار , لكن أنتم لا تحبّون الاستقرار , مصر تواجه إرهاباً دموياً مسلحاً في الشوارع على الشعب أن يواجهه , لماذا لا ينزل الناس ليواجهوا المتظاهرين بأنفسهم , من يريدون تخريب الوط..."

" أحمد موسى : ازااااي ده يحصل ؟ فين الجييييييش ؟ فين الشرررررطة ؟ لييييييه ؟ إيه المبرر إن شوية الإرهابيين البلطجية دول يعملوا كدة ؟ موتوهم ! بهذه البساطة ! إحنا يا سيدي معندناش شرطة ولا جيش .. انزلوا موتوهم ! كل اللي عنه سلاح ينزل ! ست البيت المحترمة اللي بتخاف على مصر تنزل وف ايدها سكينة .. انزلوا احمو ماااااااااسر ! انزلو احمو القائد السيسييييييي ! "

" التليفيزيون المصري : الرئيس القائد السيسي يُلقي بياناً إلى الأمة الليلة "

" رولا خرسا : ايه اللي بيحصل ده يا ربي ؟ كدة ؟ تخربوا البلد كدة ؟ والناس تقولي السيسي لازم يطلع يتكلم , السيسي ذنبه ايه يا جماعه ؟ هو احنا هنحمله فوق طاقته ؟ لازم نحب بـ.."

" عكاشة : شوية حشاشين ؟ شوية حشاشين على شحاتين على بياعين يعملوا كدة في البلد ؟ يا بلد عرة ؟ طب اقسم بالله ! اقسم بالله .. اللي بيحصل ده يؤكد .. إن البلد مفيهاش راجل ! "

" لميس الحديدي : انقذووووو مصر ! انقذو مصر من أيدي هؤلاااء , فين الجيش ؟ فين أمريكا من اللي بيحصل ؟ فين السعودية ؟ فين البلاد العربية ؟ فين ليبيا ؟ فينكم من اللي بيحصل في مصر ! السيسي اللي ساعدكم واتعاون معاكم في أول فترته .. تخذلوه بهذا الشكل ! "

" مصادر قضائية : تأجيل محاكمة مبارك إلى سبتمبر 2022 نظراً للحالة الأمنية غير المستقرة للبلاد "

" عمرو أديب : فين الجييش يا صيييصييي ؟؟؟؟ فين الجييييش ! حاجة غريبة جداً يا جماعة , الواحد يصحى من النوم في البلد دي , ما يلاقيش جيش , احنا شعب يستاهل كل اللي بيجراله .. احنا شعب جاحد! .. شعب مفتري! .. شعب ابن ستّين وسـ.."

" مرسي من مستشفى السجن : هكذا أنتم يا أولاد مصر , صامدين , صابرين , شامخين في وجه الطغاة , لا ترتعد فرائسكم بمثل ما يرتعدوا , ولا أنتم هاربين بمثل ما يهرب القاتل من وجه القتيل , استمروا يا شعب مصر الكريم , لقد عهدت فيكم الصبر , كما عهدت فيكم القوة والتحدي , سنعبر هذه المحنة معاً , وسنبني مصر , وطناً لا مكان فيه لظالمٍ ولا مستبد , ولا كُرسي فيه لفاسدٍ أو غير مستحق , وطناً كريماً , حديثاً , يؤمن بأسباب التقدم , ينتج غذاءه وسلاحه ودواءه , يطلب من الله العون والخير , بسم الله الرحمن الرحيم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } صدق الله العظيم "

" أسامة منير : الحب .. هو النعمة , اللي ربنا حباها للشعب ده .. الشعب .. اللي ميعرفش يكره .. الحب .. هو المعنى الجميل .. اللي بيساع المصريين كلهم .. إرجعوا حبوا بعض يا مصريين .. حبوا بعض بجد .. حبوا بعض أوي .. احضنوا بـ..."

" مصطفى بكري : من يتجرأ على رموز الوطن المصري ؟ هؤلاء العملاء ! خونة الوطن ! افتلوهم ! اقتلو.."

" خيري رمضان : تعالوا مع بعض .. هحكيلهم قصة عظيمة أوي .. قصة راجل وطني عظيم .. كان بيحب البلد دي ! وضحى بنفسه عشان البلد دي .. وهو دلوقتي مستي من البلد دي .. انها تقف جنبه .. اشوفكو بعد الفاصل "

" الداخلية : لا صحة لما تردد عن سقوط الداخلية .. الداخلية كما هي شامخة .. وقد تم القبض على قيادات روابط الألتراس الإرهابية وجماعات 6 إبريل التخريبة والإشتراكيين الفوضوية والأحرار التكفيرية وتم القضاء على عدد كبير من المخربين في أماكن حسّاسة من العاصمة وفي المحافظات أيضاً "

" بيان رئيس الجمهورية القائد عبدالفتّاح السيسي :

بسم الله الرحمن الرحيم { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } صدق الله العظيم , تعصف بمِصر اليوم , أحداثٌ جسام , تتطلب من كل وطني مخلص , ومن كل مواطن حريصٌ على هذا البلد , أن يفكر , ويتأمل ..

في البدء كان الكلام الذي يقال هُنا وهناك عن المطالب " الشرعية " التي يطالب بها الشعب المصري بعد الأزمة الإقتصادية الأخيرة , وقُلت لوزيريّ الدفاع والداخلية الفريق أول صدقي صبحي واللواء محمد ابراهيم بكل أمانة , وبكل صدق , اتركوا الشعب ليعبّر عن رأيه , ولكن هل هذا الرأي فوق رأي الوطن ؟ بالطبع لا.

شعب مِصر العظيم , لقد فوّضتموني في يوليو 2013 للقضاء على العُنف والإرهاب المحتمل , بكل إرادتكم , وانتخبتموني لرئاسة الجمهورية في 2014 , بكل إرادتكم , وانتخبتموني في الفترة الثانية من الفترات الخمسة المتاحة للرئيس في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة في 2018 , بكل إرادتكم أيضاً , لقد سلكنا الطريق معاً , تصدّينا للإرهاب بكل حسم , وبدأنا المشاريع التي أعدكم أنها ستنتهي وسنجني ثمارها معاً , وانتبهنا لمحاولات التخريب المستمرة , استمرار الشهور والأعوام , وخضنا معا الأيام الحلوة والمُرّة .. وسنُكمل في نفس الدرب , منتبهين لما يتربّص بنا من المخاطر , ومن يتمنى سقوطنا من الأعداء , أبداً لن نسقط ! أبداً لن نسقط ! ولن تسقط مصر ! مصر التي تحتضننا جميعاً , مصر التي ولدنا فيها وسنموت مدافعين عنها وعن ترابها , وسنُدفن فيه.
شعب مِصر , أعلم أنها كلماتٌ صعبة , وأعلم أن الظروف أصعب من الكلمات , ولكنّي أعلم أيضاً أنكم معي في الدرب سالكين , آملين في غدٍ مشرق. إن فترتي الرئاسية الثانية ستنتهي في يوليو القادم , يوليو 2022 , أدعو الشعب المصري لأن يهدأ قليلاً , ويلملم شتاته , ودعونا نفكّر في المستقبل معاً , إن المستقبل ينتظرنا , في الانتخابات القادمة , من يُريدني خادماً لهذا الشعب كما كنت دائماً , فله ذلك , ومن لا يريد , فالصندوق بيننا .. إنها الديمقراطية التي لن ننحرف عنها , والشرعية التي لا يمكن , أبداً , بأي حالٍ من الأحوال , أن تُنتَزَع .. والسلامُ عليكُم , ورحمة الله , وبركاته "

أغلق التلفاز , وأبحث عن نفسي في وسط هذا العبث , بل أبحث عن السرير الذي سيحمل جسدي الذي تحطّمت عليه السنين , وعن عقلي الذي بلغ حافّة الجنون , ووجدت السرير فقط كنعمةٍ أحمد الله عليها , على أن أنام , وأبحث عندما أصحو , لربما أصحو في زمنٍ مختلف , أو ربما أصحو في زمني أنا , يوم السبت في شهر سبتمبر 2014, أقرأ في الجريدة إنجازات الأبطال , وأقرأ على الشبكة حكايات المظلومين , وأنزل في الليل , فأجري مع القلّة التي أنتمي لها , هرباً من الموت أو التعذيب , وأنام وأصحو في وطني الذي رضيت به وطناً عظيماً ولم يرضَ بي إنساناً كريماً , وظللت أتكلّم في داخل عقلي حتى تداخلت الكلمات وتشابكت , وصنعت أشكالاً ورسوم , أعجَبَتني اللُعبة فَلَعِبت ورسمّت بالكلمات قلماً يكتُب , وانتهيت فرسمت بالأخريات يداً تبني , وفرغت فرسمت بالثالثات سلاحاً يدفع الظُلم , وبالرابعات عقلاً يُفكّر في العلم , وبالخامسات قلباً يشعُر بالناس , وبالسادِسات طفلاً يلعب بالكُرة , وبالسابعات أمّاً تُربي ابنها على العزّة والطموح وخوض الصعاب وعدم الخوف إلا من يومِ لِقاء الله , ثم جمعت الرسوم ورسمت مثيلاتها متراصّين في الشبكة , ثم عبثت بالشبكة وقسّمتها كُتَلاً جديدة , وصنعت بالكُتَل الناشئة حروفاً جديدة , وبالحروف كتبت , ولا أظنني كتبت إلا ما رأيت : { إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } , وانتبهت إلى أنني لازلت مُلقَى على هذا السرير في الدور السابع , ومن هُناك الملايين لايزالون يصارعون الظُلم والظلام , ويهتفون بالعدل والحُريّة , وكان جفني العلوي يَعِد عدّاً تنازلياً ينزل معه إلى صديقه السفلي فيغلقا على عيني باب الحِلم , كأنه ينزل من الدور الذي أسكن , إلى الناس الذين ينشدوا ..
(7)
وَيْكَ يا مَنْ رَامَ تَقْييدَ الفَلَكْ
أىُّ نَجْمٍ في السَّما يَخْضَعُ لَكْ
(6)
وطنُ الْحُرِّ سَمًا لا تُمْتَلَك
والفتى الحرُّ بِأُفْقِهِ مَلَكْ
(5)
لا عَدَا يا أرضَ مِصْرٍ بِك عَاد
إنَّنا دُونَ حِمَاكِ أجمعين
(4)
لكِ يا مصرُ السَّلامة
وسلامًا يا بلادي
(3)
إنْ رَمَى الدهرُ سِهَامَه
أتَّقِيها بفؤادي
(2)
واسْلَمِي في كُلِّ حين
(1)
وفي الثانية الأخيرة , ابتسَمتُ للمستقبل الذي عايشته , وللثورة التي لا زالت هُناك تقاوم الظُلم , وتنتصر , وأغلقتُ عيني والبسمة في فمي , ونِمت.

*فانتازيا الثورة : الملحمة الأولى*