الأحد، 16 سبتمبر 2018

فلما بلغ معه السعي قال يا بني


اخر رسالة لقيتها منشورة على المدونة وانا داخل اكتب كانت "أصدق في الأحلام، ولا يبدو أن هذا شيئاً يمكنني أن أغيره". مثير اني لقيتها قدامي وانا كنت داخل اكتب عن حلم، وفي طريق دخولي قابلت حلم، وانا بالإضافة للأحلام فانا بصدق في الإشارات كمان، وفي أغلب الأحيان بتّبعها.

قابلت آية العسلي على فيسبوك كانت ناشرة بوست ليها على فيبس بوست من سنة وكاتبة "Those were the days my friend"، ومن قبلها أمل وكذا حد كان بيفتكر تلك الأيام بالامتنان. انا بقى حلمت من كام يوم إننا رجعنا نتقابل ونشتغل في فيبس بوست تاني وكنا مبسوطين. الحاجة دي لما فكرنا فيها خرجنا بيها من وسط ركام اليأس، ولما عملناها كنا عارفين حدودنا ومقدرتنا. ولما التجربة دخلت في مطحنة الحياة خرجنا منها انا واحمد نبوي حاملين رضا شخصي بالمحاولة. رضا ممكن يخبو أو يلمع باختلاف الأحوال وسياقات التفكير ومرور الوقت. إنما مكنتش شايف بشكل شخصي - رغم امتنان المشاركين بالتجربة في ذروة نجاحها والتماعها - إنهم هيفضلوا محتفظين بنفس القدر من الامتنان بتجربة قصيرة وناقصة زي كدة، لدرجة التعبير عنها بإنها - باختلاف الألفاظ والمعبرين عنها - هي الأيام الحقيقية. قد كدة الحاجات الصغيرة ممكن - ولو مع الوقت - تسيب معاني كبيرة، زي بذرة ضئيلة بتسيبها في أرض طيبة. بتكبر كل ما الوقت يمر، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.

وأما الحلم اللي كنت داخل اكتب عنه، فهو مش حلم حقيقي. تقدر تقول محاولة لمحاكاة الحلم. امبارح بالليل كنت بفكر في بابا، بس مع الوقت والنعاس خليته ييجي يفكر معايا ويساعدني، وقعدنا نتكلم، وكنا قاعدين على بحر اسكندرية بالليل والجو كان حلو وبابا كان بيضحك ونمت مرتاح. هل وعيي صنع كل ده؟ انا مكنتش نايم، انا كنت بفكر وبخلق حديثاً زي ما بيقولوا، بس ماعرفش حاسس في لحظة ما إن العجلة اللي كنت بحركها بإيدي فلتت من إيدي واتحركت لوحدها.. على الأقل لحظة، ومين اللي اختار مكان الحوار انه يكون على بحر اسكندرية؟ ده أكتر حاجة نفسي اشوفها من زمن، وده تقريبا اخر مكان كنا كلنا مبسوطين فيه في السفرية بتاعت نتيجة الثانوية.. في صيف 2011.

بمناسبة 2011، وبمناسبة اني هلقي حياة المدينة جانباً لحد 2020، فانا - وبدون اختزال او تهميش لتجربتي القادمة كجندي - إلا إني بشكل ما  حاسس اني بشارف نهاية هذا العقد من الزمان، كتجربة شبه مكتملة، لإن اللي جاي بعدها أزعم إنه هيكون مختلف عما سبقه تمام الاختلاف. تجربة كنت صغير في أولها وكبرت في آخرها. اختبرت فيها معاني الحب لحد ما زهدتها. هتفت فيها لحد ما اتكتمت. وجريت فيها لحد ما وقعت. عشت فيها لحد ما شهدت الموت. وكتبت فيها لحد ما نفد البحر. واتعلمت فيها لحد ما خدت الشهادة. وشفت فيها لحد ما عيني وجعتني. بقيت لما اخد الحقنة ابص على الدبوس وهو بيدخل وعلى الدم وهو بيخرج عشان ادرب نفسي على اعتياد الألم. وبالفعل تفعل الأيام في الإنسان أفعالها، وبيخرج من السنين كما لم يدخل، الأيام بتغير حاجات كتير.

مش عارف هدف من التدوينة دي غير اني اكتب، كتبت أكتر من حاجة الأيام اللي فاتت وبرضو مكنش ليها قيمة عندي غير معرفتي بإني جوايا حاجات عاوز اعبر عنها قبل ما تختفي. منها مثلا فكرة الاختفاء ده نفسه.. الأفكار العابرة بتعبر من فوق دماغنا ومش بتيجي تاني، المشاعر بتتغير كل لحظة واللي كنت هتقوله امبارح مش هتفتكر منه حاجة النهاردة لإنه تبدد في الفراغ. الصور الكتيرة اللي اتصورتها وماتعرفش عنها حاجة وجمعتك بناس ممكن ماتقابلهمش تاني احتمال كبير ماتلاقيهاش رغم انك عارف انك شفتها، وإنها هتفكرك بأيام ومشاعر كتير بذلتها في مسيرة قلبك.. من غيرها ممكن ينقص معنى من معاني حياتك المركبة. حياتك هي مجموع القيم اللي اختبرتها حواسك الخمس زائد مجموع الكلمات والصور اللي اعتملت في خيالك - والاتنين غير قابلين للجمع إلا على لوح محفوظ، على سطح عاكس، أصلب من الذاكرة الهشة.

هو يكتب ليحيا.. هكذا قال كيشو. هو واحشني بالمناسبة، كل الناس واحشاني بس انا من وقت طويل مش من مشجعي ان الناس تشوفني عشان انا عارف هم بيشوفوا ايه. 

إني أرى في المنام أني أبتسم، فانظر .. ماذا ترى؟

الجمعة، 7 سبتمبر 2018

مفاجأة

كنت عامل لنفسي مفاجأة لما خرجت من كل اللي عدى عندي أمل في اللي جاي، فاجئت نفسي والناس اللي حواليا بعد كل وقعة كنت بقوم منها مبتسم وبسأل عالخطوة الجاية، بعد كل سنين ضيعتها وبقول اللي ضاع جوايا ماضاعش، بعد كل فرص أهدرتها وبقول اللي جاي أكتر، بعد كل حاجة كتبتها او فكرت فيها وعرفت اني ماعرفش وقلت محدش بيتعلم بالساهل، وبعد كل حب قتلته وقلت القلب مسيره يفرح والقلب اللي بيعرف يحب مابيموتش. كنت معدي في الأوضة حالق قرعة لما بابا قاللي ايه اللي انت عامله في نفسك ده؟ كنت متضايق عشان بيسألني وهو عارف اني داخل الجيش. لدرجة انه كان بييجي يقولي ان الجيش مش حلو عشان اتحمسله كدة. كنت متضايق عشان كان فاهم أملي في الخلاص حماس، كان خايف عليا وكان متفاجئ بدرجة الرضا والأريحية اللي كنت ماشي بيها وانا معلق على قلبي الأمل في أيام أحلى جاية من بعيد. بس ملك الموت كان عاملي مفاجأة أكبر من كل مفاجآتي. مفاجأة لسة كل يوم بندور على تفاصيلها. كل يوم بندور على اليوم العادي اللي مابقاش عادي ومفيش حاجة بقت عادية بعده. عملي مفاجأة قبل ما افاجئ بابا اني داخل الجيش خلاص، وقبل ما افاجئه ان أيام الجيش بتعدي زي اخواتها، وقبل ما افاجئه اني خلصت خلاص. وقبل ما افاجئه اني اشتغلت وبقيت مسؤول عن نفسي. وقبل ما افاجئه انه المفروض يطمن علينا خلاص ومايشيلش هم. وطلع عادي ان اللي يقع مايقومش، وان اللي ضاع مايتعوضش، وطلع صحيح ان القلب ممكن يموت. والعين اللي شهدت الموت ماعدش هيحركها بريق المفاجأة.

الخميس، 30 أغسطس 2018

المشي في أغسطس

ماشي
بنطلوني بيقع
في النسيج الكوني
بقع
حورس الفرعوني
سقع
رغم كونه بصحرا
واسعة
كنت قاعد بقرا
واسعى
وقلبت الصفحة
التاسعة
بعدها أظلم
نجمين
بعدها ماعرفتش فين
كنت كل ما احاول،
اغطس
والخراب كان طابق نفسي
ولما جيت افتح يا اغسطس
ماعرفتش ألمح أمسي
كل عمري كإنه دقيقة
بس موتك كان حقيقة
ماشي
وقتي بيتقاطر
ماشي
لغتي بتغترب
ماشي
رجلي بتنسحب
بغرق
ايدي مش طايلاك
بسرق
لحظة من ذكراك
يمكن
حلقة الوصل تكمل
وتتمد
انا قاعد هنا
وانت قاعد هناك
ومحدش احسن من حد
انا كويس
اطمن
وطمني..

الأربعاء، 4 يوليو 2018

الزوابع (3)

كنت أكرة في باب في أوضة
كنت تلج وداب في صودا
كل يوم في أي موضة
وأي لامع

اتحضنت وكنت قاسي
امتحنت وكنت ناسي
بعد صبر هروح لكاسي
ومش متابع

أي حلو أكلته ناكره
كل سوء لسة فاكره
لو كأني بنام مذاكره
وبصحى اراجع

جينا ناكل قالوا صمنا
جينا نقعد قالوا قمنا
قلنا ننعس قلقوا نومنا
في المضاجع

هما مين.. حد يعرف؟
اسأل الكاتب.. محرف
اسأل الشاعر.. مخرف
في الزوابع

كان بيكتب ورقه طار
كان بيحلم قرصه فار
ثم وصف الانبهار
بالمواجع

لو تقوله قصيدة سكة
لو تقوله ناقصة حبكة
لو تقوله يا رب مكة
مش ممانع

صار إلى أبعد مصاير
زي سمكة وزي طاير
ساعي زاهد في البصاير
والمسامع

الزوابع (2)

كنت ماشي في المتاهة
رجلي فوق راسي تحت
حاجة لخبطت اللي راسم
واما تاه، اتمسحت
بس عدت في وش باسم
خد ف ايده شهر نحت
بعد ثانية من القذيفة
هو مات، واتشرخت
كنت ماشي في الورق جنب الإله
حاجة لخبطت الروائي حتى تاه
ثم قال إن شيئا ما أتاه
واني في السرد المشوش، انفلتْت
كنت غيمة كبيرة واقفة في الظلال
عند نص الحلم في الزمن اللي طال
رن جرس الباب وفتحت عين طلال
روحي سكنت بيتزا سخنة واتأكلت
والتقطني من بولاق ايريال اذاعي
كان قصير بقى أطول من دراعي
كل تغيير لا يبالي ولا يراعي
والعجل بيدور بدون أي داعي
وانا من راديو لساعة ثم ساعي
أنقل الأشعار من البصرة لحيفا
وابقى ناعي للي ماتوا بالقذيفة
والرسايل لو تقيلة أو خفيفة
لو مضحكة أو مخيفة
ورق في الجيب
والحبر اللي اتشال مع السنين لا يرسم
إلا خط الشيب
وكل خط وكل جملة حدف عملة
حدف عملات
واللي بيسأل فين
كلها محلات
تحل فيها
بقايا اصوات
تُسمع تُقال
ونام طلال

الزوابع (1)

انا فرحان وسعيد
لابس بلالين العيد
وبطير جواها بموز
واتعرفت على الهوز
والهوز دي قبيلة عجيبة
عايشين على راس زبيبة
وبياكلوا جذوع الطيطن
والطيطن شجرة طويلة
تنمو على جسم فتيلة
والعة مع اعواد ديناميت
لما انفجرت صحيت

الاثنين، 2 يوليو 2018

إلا أن أبي كان سعيدا وقد خرج من الجمع لتوه، وكانت هذه المفاجأة كافية لإيقاظي

راودني حلم عن مدرسة لا أذكرها قمت بزيارتها بصحبة أمي سافرة الوجه، وقابلنا أستاذ لا أتذكره لكنه يبدو مألوفا، ومن العدم جاء حديثه بأنه نصحني في الثانوية العامة بالذهاب مع المخبر الفلاني للتقديم في العسكرية، فجاء ردي الصادم وقتها بأنه "بيتناك في البينش". صدمت لأن هذه لم تكن لغتي يافعا، بل لأن هذه لم تكن فكرتي عن المخبرين، كنت لم أزل حالما بالعالم الجميل. وفي وقفتي تلك رددت عليه بأن هذه لم تكن إجابتي وأنني أنكرها حتى ولو تلفظت بها، فمن الجائز أن يكون السياق هو القائل، ولم يكن لساني إلا وسيلة. فتحت عيني أفكر: ماذا لو كتب هذا السياق الغامض كل إجاباتنا؟ ومن أين دخل هيجل عقلي البكر؟ وما هو البينش الذي يتناك عليه المخبرون؟ لا أعلم لما كانت أمي غاضبة مني في ذلك اليوم، إلا أن أبي كان سعيدا وقد خرج من داخل الجمع لتوه، وكانت هذه المفاجأة كافية لإيقاظي، ولو أني تمنيت أن أعلم متى سأستعمل القنابل اليدوية الأربعة في شنطة ظهري.. ملحوقة.